Home 5 مقالات و تقارير 5 ماري شيلي طرحت سؤال الذكاء الاصطناعي أولاً

ماري شيلي طرحت سؤال الذكاء الاصطناعي أولاً

بواسطة | أغسطس 26, 2026 | مقالات و تقارير

في الثلاثين من أغسطس 1797، وُلدت في لندن ماري شيلي، الكاتبة التي ستمنح الأدب واحداً من أكثر مخلوقاته شهرة في التاريخ: “فرانكنشتاين”. كانت في الثامنة عشرة فقط عندما بدأت كتابة الرواية، ولم تكن تعرف أنها تضع بين صفحاتها سؤالاً سيبقى حيّاً لأكثر من قرنين: ماذا يحدث عندما ينجح الإنسان في صنع شيء يمتلك حياة أو إرادة تتجاوز ما خطط له؟ صدر العمل للمرة الأولى عام 1818، في زمن كانت الكهرباء والتجارب العلمية الحديثة تثير دهشة العالم وقلقه، لكن الرواية لم تكن عن مخلوق غريب بقدر ما كانت تأملاً مبكراً في حدود العلم، ومسؤولية الإنسان تجاه ما يصنعه بيديه.

 في الثقافة الشعبية، اختُزل “فرانكنشتاين” طويلاً في صورة جسد ضخم مخيط الأجزاء، لكن رواية شيلي أكثر تعقيداً بكثير. فرانكنشتاين في الأصل هو اسم العالم فيكتور فرانكنشتاين، لا اسم المخلوق، أما الكائن الذي يصنعه فيبقى بلا اسم طوال الرواية. ينجح العالم في تحقيق حلم يكاد يبدو مستحيلاً: منح الحياة لمادة ميتة، لكنه ما إن يرى نتيجة تجربته حتى يفرّ منها مذعوراً. ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية، فالمشكلة ليست في قدرة الإنسان على الابتكار، بل فيما يحدث عندما يصنع شيئاً ثم يرفض تحمّل مسؤوليته عنه.

 لهذا تبدو الرواية، بعد أكثر من مئتي عام، قريبة بصورة مدهشة من النقاشات التي نعيشها اليوم حول الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والروبوتات والتقنيات القادرة على اتخاذ قرارات أو إنتاج معرفة جديدة. ولم تتنبأ ماري شيلي بأجهزة الكمبيوتر أو الخوارزميات بالطبع، لكنها أدركت مبكراً المعضلة الأخلاقية التي ترافق كل قفزة علمية كبرى: هل يكفي أن نكون قادرين على صنع شيء كي يكون من الحكمة أن نصنعه؟ ومن يتحمّل المسؤولية إذا تحوّلت التقنية التي ابتكرناها إلى قوة يصعب التحكّم بها؟ سؤال شيلي أصبح أكثر إلحاحاً كلما ازداد الإنسان قدرة على إعادة تشكيل العالم من حوله.

 واللافت أن “الوحش” في الرواية ليس شريراً منذ البداية. فهو يتعلّم اللغة، ويقرأ، ويتأمل البشر، ويتوق إلى القبول والمحبة، لكنه يواجه الخوف والنبذ بسبب مظهره. تدريجياً يتحوّل رفض المجتمع له إلى غضب وانتقام. وهنا تقلّب شيلي الصورة التقليدية للرعب: من هو الوحش الحقيقي؟ الكائن الذي ارتكب الجرائم، أم الإنسان الذي أوجد حياة ثم تخلّى عنها؟ بهذه المفارقة، تجاوزت الرواية حدود أدب الرعب لتصبح عملاً عن العزلة والمسؤولية والتحيّز والحاجة إلى الانتماء، وعن النتائج التي يمكن أن تنشأ عندما يمنح المخترع اختراعه القوة من دون أن يمنحه الرعاية.

 ربما لهذا السبب لم يبقَ “فرانكنشتاين” حبيس زمنه، حيث انتقل إلى المسرح والسينما والتلفزيون والقصص المصورة، وأصبح اسمه يستخدم لوصف اختراعات يمكن أن تنقلب على صانعيها. ومع كل ثورة تقنية جديدة، يعود السؤال الذي وضعته شابة لم تتجاوز التاسعة عشرة: بماذا ندين لما نصنعه؟ وبينما يناقش عالم اليوم حدود الذكاء الاصطناعي ومسؤولية مطوريه ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة، تبدو ماري شيلي كأنها تحذرنا من أن أعظم خطر في الابتكار قد لا يكون فيما تم ابتكاره، بل في الطريقة التي يختار بها الإنسان أن يتعامل معه.

 

أخبار حديثة

10سبتمبر
هل تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود حقوق المؤلف؟

هل تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود حقوق المؤلف؟

رفعت دار النشر الألمانية “كارلسن فيرلاج”، بدعم من مجموعة “بونييه” للنشر، دعوى قضائية ضد شركة “أوبن إيه آي أيرلندا” أمام المحكمة الإقليمية في ميونيخ، بالاشتراك مع الكاتب مارك-أوفه كلينغ والرسامة أستريد هين. وتتمحور الدعوى حول سلسلة كتب الأطفال الشهيرة “داس ناينهورن”، إذ يرى المدعون أن نصوصها ورسومها المحمية بحقوق المؤلف استُخدمت بصورة غير مشروعة في […]

09سبتمبر
هل نفهم المال حقاً؟ دار “الساقي” تجيب باللغة العربية

هل نفهم المال حقاً؟ دار “الساقي” تجيب باللغة العربية

صدر حديثاً عن دار الساقي كتاب “10 أمور يحتاج كل منا أن يعرفها عن المال” للكاتبة ليندا دايفيز، بترجمة ريم طويل. ويقدّم الكتاب، الصادر في 208 صفحات، مدخلاً مبسّطاً إلى عالم المال، انطلاقاً من كيفية نشأته وعمل الأنظمة المالية، وصولاً إلى أثر القرارات الاقتصادية في الحياة اليومية.   ويتناول الكتاب أساليب الادخار والاستثمار المدروس وبناء […]

08سبتمبر
البرازيل تريد لكتبها أن تُقرأ عالمياً

البرازيل تريد لكتبها أن تُقرأ عالمياً

أعلنت مؤسسة المكتبة الوطنية البرازيلية عن فتح باب التقديم أمام دور النشر الأجنبية الراغبة بترجمة ونشر أعمال لمؤلفين برازيليين في الأسواق الدولية، ضمن برنامجها لدعم انتشار الأدب البرازيلي عالمياً. ويستقبل البرنامج طلبات المشاريع حتى 13 سبتمبر 2026، على أن تكون الأعمال المرشحة قد سبق نشرها في البرازيل، فيما تخضع الطلبات لمرحلتين من التقييم قبل اعتماد […]

Related Posts

ماذا تخفي عبارة «الأكثر مبيعاً»؟

ماذا تخفي عبارة «الأكثر مبيعاً»؟

يكفي أحياناً أن تظهر عبارة "الأكثر مبيعاً" على غلاف كتاب حتى تبدو كأنها حكم نهائي على نجاحه، فهي عبارة تختصر آلاف القراء وتضع الكتاب في مقدمة المشهد. لكن خلفها قصة أكثر تعقيداً: الأكثر مبيعاً أين؟ وخلال أي فترة؟ وضمن أي فئة؟ فلا يوجد مقياس عالمي واحد يمنح الكتب هذه...

هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

في الرابع والعشرين من أغسطس 1899، ولد في العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، كاتب سيقضي حياته بين الكتب والمتاهات والمرايا والأسئلة التي لا تنتهي. لم يعرف خورخي لويس بورخيس الإنترنت، ولم يرَ شاشة هاتف ذكي أو محرك بحث، لكنه تخيّل قبل عقود عالماً تبدو ملامحه اليوم مألوفة...

ما الذي تحتاجه النساء ليصبحن أكثر قدرة على قيادة صناعة النشر؟

ما الذي تحتاجه النساء ليصبحن أكثر قدرة على قيادة صناعة النشر؟

لم تعد صناعة النشر مجرد منظومة لإنتاج الكتب، بل أصبحت صناعة متكاملة تتقاطع فيها الثقافة مع التكنولوجيا، والاقتصاد مع الإبداع، والتأثير مع المسؤولية. وفي قلب هذا التحوّل، أثبتت النساء حضوراً لافتاً في مختلف التخصصات، من التحرير والتصميم إلى التسويق وإدارة المحتوى. غير...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this