Home 5 مقالات و تقارير 5 ماذا تخفي عبارة «الأكثر مبيعاً»؟

ماذا تخفي عبارة «الأكثر مبيعاً»؟

بواسطة | سبتمبر 1, 2026 | مقالات و تقارير

يكفي أحياناً أن تظهر عبارة “الأكثر مبيعاً” على غلاف كتاب حتى تبدو كأنها حكم نهائي على نجاحه، فهي عبارة تختصر آلاف القراء وتضع الكتاب في مقدمة المشهد. لكن خلفها قصة أكثر تعقيداً: الأكثر مبيعاً أين؟ وخلال أي فترة؟ وضمن أي فئة؟ فلا يوجد مقياس عالمي واحد يمنح الكتب هذه الصفة، بل قوائم متعددة، لكل منها سوقها ومصادر بياناتها وقواعدها الخاصة. لذلك، قد يتصدّر كتاب قائمة بعينها، ولا يظهر أصلاً في قائمة أخرى.

 وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تجمع شركة “سيركانا” المتخصصة في رصد سوق الكتب بيانات المبيعات مباشرة من عدد كبير من المكتبات وتجار التجزئة، وتقول إن بياناتها تغطي نحو 85 في المئة من مبيعات الكتب الورقية التجارية في السوق الأميركية. وتعتمد مجلة “بابليشرز ويكلي” هذه البيانات في إعداد قوائمها، وتنشر في بعض الحالات أعداد النسخ المباعة خلال الأسبوع. أما صحيفة “نيويورك تايمز” فتعتمد على بيانات مبيعات تصلها من شبكة واسعة من منافذ البيع، لكنها لا تكشف بالتفصيل عن المعادلة التي تستخدمها لترتيب الكتب، ما يعني أن قائمتها مؤشر للمبيعات وفق منهجية خاصة، وليست تعداداً شاملاً لكل نسخة بيعت في البلاد.

 وتختلف الصورة على “أمازون”، فترتيب الكتاب هناك لا يعني بالضرورة أنه الأكثر مبيعاً في سوق الكتب بأكمله، بل يعبّر عن أدائه مقارنة بالكتب الأخرى المباعة عبر المنصة. وتوضح “أمازون” أن المبيعات الحديثة تحظى بوزن أكبر من المبيعات الأقدم، وأن ترتيب الكتاب نسبي ويتأثر أيضاً بأداء الكتب المنافسة. وقد يحتل كتاب المركز الأول داخل تصنيف فرعي ضيق، وهو ما يفسر ظهور وصف “الأول مبيعاً على أمازون” على بعض الكتب، من دون أن يعني ذلك أنها باعت أعداداً ضخمة على مستوى سوق الكتاب ككل.

 وهنا تكمن المفارقة: قد تكون القائمة دقيقة، لكن الطريقة التي نفهم بها نتيجتها ليست دقيقة دائماً. فتصدّر كتاب للمبيعات خلال أسبوع لا يعني أنه الكتاب الأعلى مبيعاً طوال العام، كما أن القفزة الكبيرة في أيام الإصدار الأولى تختلف عن نجاح يستمر لأشهر أو سنوات. وتشير دراسات تناولت حركة الكتب في قوائم “نيويورك تايمز” إلى أن عدداً ملحوظاً من العناوين لا يبقى في القائمة سوى فترة قصيرة، وأن المبيعات غالباً ما ترتفع سريعاً بعد الإصدار قبل أن تبدأ في التراجع. وبذلك قد تصف عبارة “الأكثر مبيعاً” لحظة قوية في حياة الكتاب، لا مجمل مسيرته التجارية.

 وتزداد المسألة تعقيداً مع الطلبات المسبقة والمشتريات الجماعية والحملات الترويجية المكثفة. فتجميع عدد كبير من المبيعات خلال فترة قصيرة قد يمنح الكتاب دفعة قوية في بعض القوائم، ولهذا تعتمد جهات عدة آليات لرصد أنماط الشراء غير المعتادة. وتشير “نيويورك تايمز”، على سبيل المثال، بعلامة خاصة إلى بعض الكتب عندما تكون المشتريات الجماعية أو المؤسسية جزءاً مهماً من البيانات التي سجلتها. ولا يعني ذلك أن قوائم الأكثر مبيعاً غير حقيقية، بل إنها نتائج إحصائية وتحريرية يجب فهم منهجية إعدادها قبل التعامل معها بوصفها حقيقة مطلقة عن السوق.

 وفي سوق الكتاب العربي يصبح هذا السؤال أكثر أهمية، في ظل غياب منظومة موحدة وشاملة لرصد مبيعات الكتب في معظم الأسواق العربية، ومحدودية البيانات المنشورة عن أعداد النسخ المباعة. لذلك، عندما يوصف كتاب بأنه “الأكثر مبيعاً”، يبقى السؤال ضرورياً: الأكثر مبيعاً لدى أي مكتبة أو منصة؟ وفي أي دولة؟ وخلال أسبوع أم شهر أم عام؟ وهل يستند الترتيب إلى عدد النسخ أم إلى قيمة المبيعات؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تمنح العبارة معناها الحقيقي.

 ويجب الإشارة إلى أن قوائم الأكثر مبيعاً لا تخبرنا عن أي الكتب أفضل أدباً، ولا أيها سيبقى أطول في ذاكرة القراء، بل تخبرنا بما كان الناس يشترونه بكثافة ضمن سوق وفترة ومنهجية محددة. ولهذا، ربما تكون الطريقة الأدق لقراءة عبارة “الأكثر مبيعاً” ألا نتعامل معها كنهاية القصة، بل كبدايتها: أي قائمة؟ وأي سوق؟ وخلال أي فترة؟ وكم نسخة بيعت فعلاً؟ عندها فقط تتحوّل العبارة من شارة تسويقية مهمة إلى رقم يمكن فهم دلالته الحقيقية.

أخبار حديثة

15أكتوبر
ما بعد «سيدات القمر» عُمان تكتب طريقها إلى العالم

ما بعد «سيدات القمر» عُمان تكتب طريقها إلى العالم

يحضر الأدب العُماني في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، الذي يحتفي بسلطنة عُمان ضيف شرف دورته الخامسة والأربعين، وفي رصيده تجربة متنامية في الانتقال بين اللغات وأسواق النشر. فمنذ فوز “سيدات القمر” لجوخة الحارثي، بترجمة مارلين بوث، بجائزة البوكر الدولية عام 2019، تتابعت ترجمات أعمال الكاتبة، بالتوازي مع وصول أسماء عُمانية أخرى إلى منصات الجوائز […]

15أكتوبر
«ألفا بوكس» تتجاوز حدود فيتنام

«ألفا بوكس» تتجاوز حدود فيتنام

بعد أكثر من عقدين من تقديم كتب الأعمال العالمية إلى القارئ الفيتنامي، يتطلّع الكاتب والناشر نغوين كانه بينه، مؤسس دار النشر الفيتنامية “ألفا بوكس”، إلى نقل تجارب روّاد الأعمال في بلاده إلى جمهور دولي. وتشكّل النسخة الإنجليزية من مذكراته “مواليد 1972″، التي صدرت عبر “أمازون” عام 2026، خطوة أولى ضمن خطة لإتاحة مؤلفات أصحاب الأعمال […]

14أكتوبر
آن كارسون تفوز بنوبل وتصف المحكّمين بـ«المجانين»

آن كارسون تفوز بنوبل وتصف المحكّمين بـ«المجانين»

من كتاب داخل علبة إلى كتيّبات يختار القارئ ترتيبها، ابتكرت الكاتبة الكندية آن كارسون أشكالاً غير مألوفة لأعمالها، جعلت طريقة قراءتها جزءاً من التجربة الأدبية. ومع فوزها بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، تبرز خصوصية مشروع يتجاوز المزج بين الشعر والنثر والترجمة إلى الاشتغال على هيئة الكتاب نفسه. فالصور والرسائل والرسوم تجد مكانها بين الكلمات، وتمنح […]

Related Posts

الميل الأخير في رحلة الكتاب

الميل الأخير في رحلة الكتاب

قد يعثر القارئ على الكتاب الذي يبحث عنه خلال ثوانٍ، ثم يتراجع عن شرائه عند ظهور تكلفة التوصيل أو موعد الوصول. وبين هاتين اللحظتين تتكشّف إحدى معضلات بيع الكتب عبر الإنترنت: سهولة اكتشاف العنوان لا تعني سهولة الحصول عليه. ففي المرحلة الممتدة من تجهيز الطلب في المستودع...

لماذا يتجه عالم النشر إلى الشارقة؟

لماذا يتجه عالم النشر إلى الشارقة؟

لم يكن صعود الشارقة إلى صدارة المشهد الثقافي العالمي وليد المصادفة أو ثمرة نجاحات متفرقة، بل جاء نتيجة مشروع حضاري متكامل آمن بأن الثقافة ليست نشاطاً موازياً للتنمية، وإنما إحدى ركائزها الأساسية. فمنذ عقود، رسم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو...

هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

في الرابع والعشرين من أغسطس 1899، ولد في العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، كاتب سيقضي حياته بين الكتب والمتاهات والمرايا والأسئلة التي لا تنتهي. لم يعرف خورخي لويس بورخيس الإنترنت، ولم يرَ شاشة هاتف ذكي أو محرك بحث، لكنه تخيّل قبل عقود عالماً تبدو ملامحه اليوم مألوفة...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this