تستعد العاصمة الإماراتية لاستقبال واحدة من أكثر التجارب الثقافية تنوّعاً في آسيا، مع حلول جمهورية إندونيسيا ضيف شرف الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، التي تقام في الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر 2026. ولا يقتصر حضور إندونيسيا على تقديم مجموعة من الكتب والناشرين، بل يفتح نافذة أوسع على ثقافة تشكّلت فوق آلاف الجزر، وعبر لغات وتقاليد متعددة، لتصبح أيام المعرض فرصة أمام القارئ العربي للاقتراب من أدب ما زال حضوره في المكتبة العربية أقل كثيراً من ثرائه وتنوّعه.
وعزّز مركز أبوظبي للغة العربية الذي يتولى الإشراف على تنظيم المعرض هذا الاختيار بتوقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الثقافة الإندونيسية لتطوير برنامج متكامل يشمل فعاليات أدبية وفكرية وفنية، ويعرّف بالمشهد الثقافي الإندونيسي، إلى جانب إبراز تطور قطاعيّ النشر والترجمة وتعزيز مشاركة الناشرين الإندونيسيين. ويمنح هذا الإطار المشاركة بُعداً يتجاوز العرض الثقافي إلى بناء صلات مباشرة بين الكُتّاب والناشرين وصُنّاع الكتاب في الجانبين.
ولعل أول ما يواجه القارئ الراغب في اكتشاف إندونيسيا هو أن الحديث عن “ثقافة إندونيسية” واحدة لا يكشف سوى جزء من الصورة. فبحسب اليونسكو، تتحدّث البلاد بأكثر من 700 لغة، فيما تجمع اللغة الإندونيسية هذا التنوّع داخل فضاء وطني مشترك. وهذه التعددية ليست مجرد رقم، وإنما جزء من المادة التي صنعت الأدب الإندونيسي نفسه، حيث تتجاور المرويات الشعبية والأساطير والتقاليد الشفهية مع الرواية والقصة والشعر الحديث، وتتعدد الطرق التي تروي بها الجزر تاريخها ومجتمعاتها.
أما أدب إندونيسيا الحديث فيقدّم للقارئ مدخلاً إلى تاريخ البلاد وتحوّلاتها. ويأتي براموديا أنانتا تور في مقدمة الأسماء التي رسّخت حضور الأدب الإندونيسي عالمياً، ولا سيما من خلال “رباعية بورو”، التي تدور في جزر الهند الشرقية الهولندية وتستعيد عبر شخصياتها تشكّل الوعي الوطني في مواجهة النظام الاستعماري. وفي جيل لاحق، حمل إيكا كورنياوان هذا الأدب إلى قراء جدد، ومن أشهر أعماله رواية “الجمال جرح”، التي صدرت أيضاً بالعربية، ومزج فيها التاريخ بالأسطورة والسخرية والمأساة العائلية.
ومن هنا تكتسب استضافة إندونيسيا أهمية خاصة، حيث تتيح للقارئ العربي الانتقال من الصور الأكثر تداولاً عن البلاد، من جزرها وطبيعتها وتراثها السياحي، إلى ما كتب الإندونيسيون عن أنفسهم: عن الاستعمار والاستقلال، والمدينة والقرية، والدين والمجتمع، والأساطير التي بقيت حاضرة في السرد الحديث. كما تمنح الناشرين والمترجمين فرصة للنظر إلى سوق أدبية ولغوية واسعة لم تحصل بعد، عربياً، على حضور يوازي ما تمتلكه من تنوّع.
ولا تحتاج نقاط التقاطع بين العالم العربي وإندونيسيا إلى البحث عن تطابق كامل بين تجربتين مختلفتين، فقيمتها الحقيقية تكمن في المساحات التي تسمح لكل ثقافة بأن تقرأ الأخرى. إذ أن هناك تاريخاً من الحركة عبر المحيط، وحروف ومفردات انتقلت بين اللغات، وكتب وأفكار سافرت بين الموانئ والمدن. وفي معرض للكتاب، تصبح الترجمة الطريقة الأكثر وضوحاً لتحويل هذه الصلات التاريخية إلى علاقة ثقافية حية، لأن الكتاب يستطيع أن يواصل الرحلة بعد أن تُطفأ أضواء الأجنحة وتنتهي الجلسات.
ومن هنا، تبدو مشاركة إندونيسيا في المعرض أكثر من احتفاء بضيف دولي جديد، فهي فرصة لاكتشاف أرخبيل أدبي لا يزال جزء كبير منه بعيداً عن القارئ العربي. وعلى مدى ستة أيام في سبتمبر، سيكون أمام أبوظبي أن تضع هذا الأدب وثقافته وتعدد أصواته في الواجهة، وأن تعيد فتح طريق قديم بين منطقتين عرفتا التواصل منذ قرون، لكن هذه المرة عبر الناشرين، والمترجمين، والروائيين، والقراء. وربما تكون النتيجة الأهم لهذا الحضور كتاباً إندونيسياً جديداً يجد طريقه إلى العربية، أو قارئاً يخرج من المعرض وهو يعرف عن إندونيسيا أكثر بكثير مما كان يعرفه عند دخوله.



