Home 5 مقالات و تقارير 5 هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

بواسطة | أغسطس 31, 2026 | مقالات و تقارير

في الرابع والعشرين من أغسطس 1899، ولد في العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، كاتب سيقضي حياته بين الكتب والمتاهات والمرايا والأسئلة التي لا تنتهي. لم يعرف خورخي لويس بورخيس الإنترنت، ولم يرَ شاشة هاتف ذكي أو محرك بحث، لكنه تخيّل قبل عقود عالماً تبدو ملامحه اليوم مألوفة على نحو مثير، حيث تتراكم فيه المعرفة بلا نهاية، ويصبح الوصول إلى المعلومة ممكناً، لكن العثور على الحقيقة أكثر صعوبة. كان بورخيس يكتب عن المكتبات واللانهاية والنسخ والروابط الخفية بين النصوص، وكأنه يختبر أدبياً ما نعيشه اليوم داخل الفضاء الرقمي. وبعد أكثر من قرن على ميلاده، تبدو بعض أفكاره أقل شبهاً بالخيال، وأكثر قرباً من وصف عالمنا المعاصر.

 

في قصته الشهيرة “مكتبة بابل”، التي نشرها عام 1941، تخيّل بورخيس الكون في صورة مكتبة هائلة تتكوّن من حجرات متكررة وتمتد، في إدراك ساكنيها، إلى ما لا نهاية. تحتوي هذه المكتبة على كل التركيبات الممكنة للحروف، وبالتالي على الكتب ذات المعنى، والكتب الزائفة، والحقائق والأكاذيب، وما كُتب وما يمكن أن يُكتب. المعرفة كلها موجودة هناك، لكن وجودها لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول إليها أو فهمها، فيمضي أمناء المكتبة أعمارهم بحثاً عن كتاب أو دليل أو فهرس يقودهم إلى اليقين. ومن الصعب اليوم قراءة هذه الصورة من دون أن نستحضر فضاءً رقمياً يضع أمام الإنسان كماً شبه غير محدود من المحتوى، في فهم مبكر للمأزق الذي يصنعه فائض المعرفة.

 

وفي “الألف”، يذهب خيال بورخيس إلى صورة أخرى تبدو قريبة بصورة لافتة من عصر الاتصال المفتوح. نقطة صغيرة يمكن أن يُرى من خلالها العالم كله من دون أن تضيع تفاصيله، في مشهد أشبه بشاشة صغيرة تفتح نافذة على مدن وكتب وصور وأحداث وقصص من مختلف أنحاء العالم. لم تكن التقنية هي ما يشغل بورخيس، بل الإنسان أمام اتساع الكون، ومحاولته المستمرة اختصار ما لا يمكن اختصاره والإحاطة بما يفوق قدرته على الاستيعاب. ولهذا ظل أدبه منشغلاً باللانهاية، وبالمتاهة، وبالعوالم التي تنفتح داخل عوالم أخرى. وهي صور يصعب ألا يرى قارئ القرن الحادي والعشرين فيها شيئاً من تجربته اليومية وهو ينتقل بلا نهاية بين الصفحات، والروابط، والمعلومات.

 

لكن عبقرية بورخيس لم تكن في تخيّل وفرة المعرفة وحدها، بل في رؤية الوجه المربك لهذه الوفرة أيضاً. ففي عالمه، لا تمنح المكتبة الكاملة سكانها الطمأنينة، وإنما تتحوّل كثرة الكتب إلى مصدر للحيرة، ويصبح الخط الفاصل بين النص الحقيقي والزائف أكثر هشاشة. وهذه المفارقة تبدو شديدة المعاصرة في زمن لا يعاني فيه الإنسان ندرة المعلومات، بقدر ما يعاني صعوبة التحقق منها واختيار ما يستحق انتباهه. كل إجابة تقود إلى إجابة أخرى، وكل باب يفتح ممراً جديداً، حتى يصبح الباحث نفسه جزءاً من المتاهة التي يحاول الخروج منها. وكأن بورخيس كان يسأل قبل ظهور الشبكة بعقود: ماذا سيحدث للإنسان عندما يصبح كل شيء تقريباً في متناول يده، ولا يعود يعرف ما الذي ينبغي أن يبحث عنه؟

 

ربما لهذا السبب ما زال بورخيس يبدو كاتباً قادماً من المستقبل، رغم أن عوالمه وُلدت من الكتب القديمة والفلسفة والأساطير والمكتبات التي أحبها طوال حياته. لم يتنبأ بالإنترنت بالمعنى التقني، ولم يكتب عن أجهزة أو شبكات، لكنه التقط شيئاً أعمق: علاقة الإنسان بالمعرفة حين تصبح أكبر من قدرته على احتوائها. وفي ذكرى ميلاده، لا تبدو العودة إلى بورخيس مجرد احتفاء بكاتب ترك أثراً عميقاً في أدب القرن العشرين، بل قراءة مبكرة لعالم أصبحنا نحن سكانه، وهو عالم واسع ومترابط ولا نهائي تقريباً، نختزله اليوم من خلال مكتبة كبرى نحمل أبوابها في جيوبنا، ونمضي داخلها كل يوم باحثين عن الصفحة الصحيحة وسط متاهة لا تنتهي!

 

أخبار حديثة

20أكتوبر
كل الأنظار تتجه نحو معرض القاهرة للكتاب 2027

كل الأنظار تتجه نحو معرض القاهرة للكتاب 2027

تواصل الهيئة المصرية العامة للكتاب استقبال طلبات المشاركة في الدورة الثامنة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب حتى 31 أكتوبر 2026، مع اقتراب إغلاق باب التسجيل أمام دور النشر المصرية والعربية والأجنبية. وتقام الدورة الجديدة خلال الفترة من 20 يناير إلى 2 فبراير 2027، بمركز مصر للمعارض الدولية في التجمع الخامس. وأتاحت الهيئة تقديم طلبات […]

20أكتوبر
من يقرر كيف يُروى تاريخ فلسطين؟

من يقرر كيف يُروى تاريخ فلسطين؟

 سحبت الكاتبتان الفلسطينيتان الأمريكيتان ألانا حديد وجنان مطري مخطوطة كتابهما “التهجير والحكاية الفلسطينية الأمريكية” من دار “راندوم هاوس لكتب الأطفال”، بعد خلافات تحريرية حول معالجة محطات من التاريخ الفلسطيني، لينتقل المشروع إلى دار “إنترلينك” الأمريكية. وكان من المقرر نشر الكتاب في سبتمبر 2026 ضمن سلسلة “السباق نحو الحقيقة”، الموجهة إلى القراء بين العاشرة والثالثة عشرة. […]

15أكتوبر
ما بعد «سيدات القمر» عُمان تكتب طريقها إلى العالم

ما بعد «سيدات القمر» عُمان تكتب طريقها إلى العالم

يحضر الأدب العُماني في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، الذي يحتفي بسلطنة عُمان ضيف شرف دورته الخامسة والأربعين، وفي رصيده تجربة متنامية في الانتقال بين اللغات وأسواق النشر. فمنذ فوز “سيدات القمر” لجوخة الحارثي، بترجمة مارلين بوث، بجائزة البوكر الدولية عام 2019، تتابعت ترجمات أعمال الكاتبة، بالتوازي مع وصول أسماء عُمانية أخرى إلى منصات الجوائز […]

Related Posts

فرانكفورت تُقرأ سيراً على الأقدام

فرانكفورت تُقرأ سيراً على الأقدام

للقارئ في مدينة فرانكفورت الألمانية عناوين تستحق أن يدوّنها إلى جانب أرقام أجنحة الناشرين. عنوان بيت كُتبت فيه رواية غيّرت حياة صاحبها، ومتحف يحتفظ بأثر اليد على المخطوط، ومكان يمكن فيه سماع الأدب بصوت من يكتبه. ومع اقتراب معرض فرانكفورت للكتاب، الذي يقام ما بين 7 إلى...

الميل الأخير في رحلة الكتاب

الميل الأخير في رحلة الكتاب

قد يعثر القارئ على الكتاب الذي يبحث عنه خلال ثوانٍ، ثم يتراجع عن شرائه عند ظهور تكلفة التوصيل أو موعد الوصول. وبين هاتين اللحظتين تتكشّف إحدى معضلات بيع الكتب عبر الإنترنت: سهولة اكتشاف العنوان لا تعني سهولة الحصول عليه. ففي المرحلة الممتدة من تجهيز الطلب في المستودع...

لماذا يتجه عالم النشر إلى الشارقة؟

لماذا يتجه عالم النشر إلى الشارقة؟

لم يكن صعود الشارقة إلى صدارة المشهد الثقافي العالمي وليد المصادفة أو ثمرة نجاحات متفرقة، بل جاء نتيجة مشروع حضاري متكامل آمن بأن الثقافة ليست نشاطاً موازياً للتنمية، وإنما إحدى ركائزها الأساسية. فمنذ عقود، رسم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this