في قلب هو تشي منه، أكبر مدن فيتنام، وعلى مقربة من معلمين تاريخيين بارزين هما كاتدرائية سايغون نوتردام ومكتب بريد سايغون المركزي، يبرز شارع “نغوين فان بينه” كواحد من أبرز النماذج الثقافية الحضرية التي نجحت في ترسيخ عادة القراءة ضمن الحياة اليومية. وعلى مدى أكثر من عقد، تحوّل هذا الشارع إلى ما يشبه “تياراً خفياً” يغذي الثقافة المعرفية ويعزز الهوية الإنسانية للمدينة. حيث لم يعد مجرد مساحة لبيع الكتب، بل أصبح منصة تفاعلية تحتضن المعرفة وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والكتاب في زمن تتسارع فيه التحوّلات الرقمية.
انطلق المشروع في 9 يناير 2016 بطول متواضع لم يتجاوز 140 متراً، وسط توقعات محدودة بتأثيره المستقبلي. غير أن المبادرة، التي جاءت بدعم من دور النشر المحلية وحكومة المدينة، سرعان ما أثبتت قدرتها على إحداث تحوّل نوعي في قطاع النشر الفيتنامي. ومع كونه أول شارع مخصص للكتب في البلاد، شكّل نموذجاً مبتكراً يجمع بين الرؤية الثقافية والاستثمار المجتمعي، ما أسهم في ترسيخ مكانته كوجهة معرفية متكاملة.
وشهد الشارع نمواً لافتاً، إذ توسّع من 19 جناحاً عند انطلاقه إلى 30 جناحاً حالياً، تضم أكثر من 20 دار نشر وموزعاً من مختلف أنحاء البلاد. وخلال عشر سنوات، استقبل ملايين الزوار، وتم تداول نحو 7 ملايين كتاب، محققاً عائدات تجاوزت 433 مليار دونغ فيتنامي. وبحسب لي هوانغ، مدير الشارع، فإن الهدف لم يكن تجارياً بحتاً، بل تمحور حول إنشاء منظومة معرفية مستدامة تشكّل ركيزة ثقافية للمجتمع، وتدعم حضور الكتاب في الحياة اليومية.
ورغم تنامي وسائل الترفيه الرقمي والقراءة الإلكترونية، يواصل الشارع أداء دوره كحصن يحافظ على قيمة الكتاب المطبوع، من خلال تنظيم أكثر من 3000 فعالية ثقافية سنوياً، بمعدل نشاط يومي تقريباً. كما أصبح وجهة مفضلة لإطلاق الكتب ولقاءات الكُتّاب مع القراء، ما عزز التفاعل المباشر وأعاد الحيوية إلى المشهد الثقافي. ولم يقتصر تأثيره على الداخل، بل تحوّل إلى معلم ثقافي عالمي يستقطب الزوار الدوليين، ويعكس صورة مدينة حديثة تحتفي بالمعرفة، وتؤمن بأن الكتاب ليس مجرد منتج، بل جسر للتواصل الإنساني بين الثقافات.



