منذ صدور عددها الأول في يناير 1978، لم تكن سلسلة “عالم المعرفة” التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت، مجرد مطبوعة شهرية، بل مشروعاً ثقافياً عربياً طموحاً أعاد تعريف العلاقة بين القارئ والمعرفة، حيث جاءت السلسلة في لحظة كانت فيها الحاجة ماسة إلى محتوى ثقافي رصين، فاختارت أن تكون جسراً بين الفكر الإنساني والقارئ العربي، دون تعقيد. ومع مرور السنوات، تحوّلت إلى واحدة من أكثر السلاسل تأثيراً وانتشاراً، حيث تجاوزت بعض إصداراتها في طبعتها الأولى حاجز الأربعين ألف نسخة، وهو رقم استثنائي جعلها من بين الكتب الأكثر مبيعاً عربياً لتسهم في ترسيخ عادة القراءة لدى أجيال متعاقبة.
وفي جوهر هذا المشروع، تقف فكرة بسيطة وعميقة في آن: المعرفة حق للجميع. لذلك، حرصت السلسلة منذ بداياتها على تقديم كتب في مختلف مجالات الفكر الإنساني، من الأدب والفلسفة إلى العلوم والتاريخ والفنون، بل وحتى القضايا المعاصرة التي تشكّل وعي الإنسان الحديث. وهذا التنوّع لم يكن عشوائياً، بل كان انعكاساً لرؤية ثقافية واعية تسعى إلى بناء قارئ متكامل، قادر على فهم العالم من زوايا متعددة. وقد ساعد السعر الرمزي للسلسلة في توسيع نطاق انتشارها، لتصل إلى بيوت القراء في مختلف الدول العربية، وتصبح جزءاً من مكتبات شخصية شكّلت بدورها ذاكرة ثقافية جماعية، مدعومة بانتشار واسع قل نظيره في سوق النشر العربي.
وراء هذا المشروع، يقف اسم أحمد مشاري العدواني، الذي لم يكن مجرد مؤسس، بل كان صاحب رؤية تنويرية أدرك مبكراً أن بناء الثقافة لا يتم عبر النخب وحدها، بل عبر تعميم المعرفة وتبسيطها دون الإخلال بقيمتها العلمية. وبمشاركة شخصيات فكرية بارزة مثل فؤاد زكريا، استطاعت السلسلة أن تستقطب نخبة من المفكرين والباحثين العرب والأجانب، وأن تقدّم ترجمات نوعية لأعمال عالمية، إلى جانب إنتاج عربي أصيل. وهنا تتجلّى قيمة “عالم المعرفة” بوصفها منصة حوار بين الثقافات وفضاءً يلتقي فيه الفكر العربي مع نظيره العالمي.
وعلى امتداد عقود، حافظت السلسلة على انتظامها الشهري، مع بعض الانقطاعات المؤقتة القليلة نتيجة الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة، وهو ما منحها مصداقية نادرة في المشهد الثقافي العربي. وقد تجاوز عدد عناوينها مئات الإصدارات التي شكّلت، بمجموعها، أرشيفاً معرفياً متنوعاً يعكس تحوّلات الفكر العربي والعالمي. من كتاب “الحضارة” لـحسين مؤنس إلى دراسات نقدية وفكرية معاصرة، ظلّت السلسلة وفية لنهجها القائم على الجودة والتنوّع والانفتاح، محافظة على حضورها بوصفها مرجعاً ثقافياً لا ينفصل عن ذاكرة القارئ العربي.
وحين يُستعاد تاريخ “عالم المعرفة”، التي لم تخلُ منها مكتبة، لا يُنظر إليها كسلسلة كتب فحسب، بل كواحدة من أهم المبادرات التي أسهمت في تشكيل وعي عربي حديث. فقد نجحت في أن تكون مشروعاً مستداماً للمعرفة، وأن تحافظ على حضورها رغم تغيّر الوسائط وتبدل أنماط القراءة. وفي زمن تتسارع فيه المعلومات وتتراجع فيه القراءة المتأنية، تبدو هذه السلسلة أكثر أهمية من أي وقت مضى، بوصفها نموذجاً لما يمكن أن تصنعه السياسات الثقافية الواعية حين تضع القارئ في قلب مشروعها، وتؤمن بأن المعرفة ليست ترفاً، بل ضرورة.



