Home 5 مقالات و تقارير 5 طقوس الكتابة وصناعة العوالم من همنغواي إلى موراكامي

طقوس الكتابة وصناعة العوالم من همنغواي إلى موراكامي

بواسطة | مارس 2, 2026 | مقالات و تقارير

لا توجد طريقة واحدة للكتابة، كما لا توجد حياة واحدة تُعاش بالطريقة نفسها. فالكُتّاب، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم، يشتركون في سؤال واحد يتكرّر مع كل صفحة بيضاء: كيف تبدأ الحكاية؟ بعضهم يرى الكتابة عملاً يومياً صارماً، يشبه مهنة لا تحتمل المزاج، فيما يتعامل آخرون معها كحالة وجدانية لا تُستدعى إلا حين تكتمل شروطها الداخلية. وبين هذين الطرفين، تتشكّل مدارس كتابة متعددة، لكل واحدة فلسفتها، وطقوسها، ونظرتها إلى العلاقة بين الكاتب والنص. من هنا، لا يصبح السؤال: كيف نكتب؟ تقنياً فقط، بل وجودياً أيضاً، مرتبطاً بطريقة رؤية العالم وفهم الذات.

 

في المدرسة التي يمثلها إرنست همنغواي، تبدو الكتابة فعلاً منضبطاً إلى حد التقشّف. حيث كان يؤمن بأن الجملة الجيّدة يجب أن تكون واضحة، ومقتصدة، وخالية من الزوائد، وأن ما يُحذف من النص لا يقل أهمية عمّا يُكتب. هذه الفلسفة جعلت من الصمت جزءاً من السرد، ومن الإيحاء أداة أقوى من الشرح المباشر. فالكتابة هنا تشبه نحت الحجر؛ جهد يومي، وساعات محددة، وانضباط لا يلين، حتى لو لم تكن النتائج مُرضية فوراً. الأهم عند هذا التيار هو الاستمرار، لأن النص، في نظرهم، يُصقل بالتراكم لا بالإلهام المفاجئ.

 

على الطرف الآخر، تظهر مدرسة أكثر انفتاحاً على اللاوعي والحدس، كما نجد عند هاروكي موراكامي، حيث تتحوّل الكتابة إلى رحلة داخلية موازية للحياة اليومية. فموراكامي لا يفصل بين الجسد والنص، إذ أن الجري، والموسيقى، والعزلة عناصر أساسية في عملية الكتابة لديه. وبالتالي، لا تُبنى الرواية فقط على التخطيط، بل على الإصغاء لما يظهر فجأة في الذهن، حتى لو بدا غير منطقي. هذه المدرسة ترى أن النص يعرف طريقه أحياناً أفضل من الكاتب نفسه، وأن مهمة الكاتب ليست السيطرة الكاملة، بل مرافقة الحكاية حتى نهايتها.

 

بين هذين النموذجين، تتوزّع مدارس أخرى لا تقل ثراءً: كتّاب يخطّطون كل تفصيلة قبل البدء، وآخرون يكتشفون النص أثناء كتابته؛ من يؤمن بأن الشخصية تقود القصة، ومن يرى أن الفكرة هي البوصلة. بعضهم يكتب في الصباح الباكر باعتباره الوقت الأنقى، وآخرون لا يجدون صوتهم إلا في الليل. هذه الاختلافات لا تعبّر عن تباين تقني فحسب، بل عن تصوّرات مختلفة لمعنى الكتابة نفسها: هل هي حرفة تُتقن، أم مغامرة تُعاش؟

 

في النهاية، لا تكمن أسرار الكتابة في تقليد الطقوس أو استنساخ التجارب، بل في وعي الكاتب بطبيعته الخاصة. فالقراءة الواسعة، والانتباه للتجربة الشخصية، والصدق مع الصوت الداخلي، هي القواسم المشتركة بين جميع المدارس. والكتابة ليست وصفة جاهزة، بل حوار طويل بين الكاتب ونفسه، وبين ما يعرفه وما يكتشفه أثناء الكتابة. وربما لهذا السبب تحديداً، تبقى الكتابة فعلاً إنسانياً مفتوحاً، لا نهائياً، ومشوقاً في كل مرة يُعاد فيها طرح السؤال: كيف يكتب الكُتّاب؟

 

أخبار حديثة

10أبريل
“أغالب مجرى النهر” تفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية 2026

“أغالب مجرى النهر” تفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية 2026

في لحظة ثقافية مشحونة بأسئلة الراهن، أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية عن فوز الروائي الجزائري سعيد خطيبي عن روايته “أغالب مجرى النهر”، في دورة استثنائية عكست تحوّلات العالم وتحدياته. وجاء الإعلان هذا العام عبر لقاء افتراضي، في مشهد يختزل طبيعة المرحلة التي لم تعد تفصل بين الأدب والواقع، بل تدفعهما إلى التداخل والتفاعل. وبين شاشة […]

06أبريل
الاتحاد الدولي للناشرين يعلن القائمة القصيرة لجائزة الابتكار في النشر 2026

الاتحاد الدولي للناشرين يعلن القائمة القصيرة لجائزة الابتكار في النشر 2026

أعلن الاتحاد الدولي للناشرين عن القائمة القصيرة لجائزة الابتكار في النشر لعام 2026، إحدى أبرز الجوائز العالمية التي تُعنى بتكريم المبادرات النوعية القادرة على تطوير صناعة النشر وتعزيز قدرتها على مواكبة التحوّلات المتسارعة.   وتُمنح الجائزة كل عامين للشركات والمجموعات والأفراد الذين يقدمون حلولاً أو منصات أو ممارسات مبتكرة تُسهم في تمكين قطاع النشر من […]

06أبريل
بطريق “بنغوين” يعود للحياة هوية بصرية تتجدد بعد 90 عاماً

بطريق “بنغوين” يعود للحياة هوية بصرية تتجدد بعد 90 عاماً

يعد شعار البطريق المرتبط بدار النشر الشهيرة “بنغوين راندوم هاوس” من أكثر الرموز حضوراً في عالم الكتاب. ومنذ ظهوره لأول مرة عام 1935، لم يكن مجرد رسم بسيط، بل تحوّل مع الوقت إلى جزء من هوية الدار وذاكرتها البصرية. ومع مرور العقود، أعيد تقديم هذا الرمز بأساليب مختلفة، لكنه ظل محتفظاً بجوهره، ما جعله علامة […]

Related Posts

شارع الكتب في فيتنام يجذب الاهتمام العالمي

شارع الكتب في فيتنام يجذب الاهتمام العالمي

في قلب هو تشي منه، أكبر مدن فيتنام، وعلى مقربة من معلمين تاريخيين بارزين هما كاتدرائية سايغون نوتردام ومكتب بريد سايغون المركزي، يبرز شارع "نغوين فان بينه" كواحد من أبرز النماذج الثقافية الحضرية التي نجحت في ترسيخ عادة القراءة ضمن الحياة اليومية. وعلى مدى أكثر من عقد،...

إرث هانس كريستيان أندرسن في دائرة الضوء

إرث هانس كريستيان أندرسن في دائرة الضوء

في الثاني من أبريل من كل عام، يعود العالم إلى ذاكرة الطفولة، مستحضراً اسم الكاتب الدنماركي هانز كريستيان أندرسن، الذي ارتبطت سيرته الإنسانية بإبداع أدبي استطاع أن يعبر الحدود واللغات. إذ لم يكن أندرسن مجرد كاتب حكايات للأطفال، بل كان صانع عوالم كاملة تنبض بالمشاعر...

“عالم المعرفة”… إصدارات تتجاوز 40 ألف نسخة في طبعتها الأولى

“عالم المعرفة”… إصدارات تتجاوز 40 ألف نسخة في طبعتها الأولى

منذ صدور عددها الأول في يناير 1978، لم تكن سلسلة "عالم المعرفة" التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت، مجرد مطبوعة شهرية، بل مشروعاً ثقافياً عربياً طموحاً أعاد تعريف العلاقة بين القارئ والمعرفة، حيث جاءت السلسلة في لحظة كانت فيها الحاجة ماسة...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this