Home 5 مقالات و تقارير 5 من إستونيا إلى آيسلندا.. حكايات لغات صغيرة تتحدّى الذوبان

من إستونيا إلى آيسلندا.. حكايات لغات صغيرة تتحدّى الذوبان

بواسطة | أكتوبر 1, 2025 | مقالات و تقارير

تتعرّض اللغات الصغيرة، أو تلك التي يقتصر عدد متحدثيها على بضعة ملايين فقط، إلى ضغط متزايد في ظل العولمة الثقافية وهيمنة اللغة الإنجليزية في النشر، والتعليم، والإعلام. فالحضور الطاغي للإنجليزية لا يهدّد التواصل اليومي فحسب، بل يطال صناعة الكتاب ذاتها، حيث تتأثر خيارات الناشرين والقراء وحتى المؤلفين الذين قد يميلون إلى الكتابة بلغة تضمن الانتشار الأوسع. لكن على الرغم من ذلك، برزت بعض التجارب الاستثنائية التي تثبت أن حماية اللغة ممكنة إذا تحوّلت إلى مشروع وطني، ومن أبرزها التجربة الإستونية.

 

فإستونيا، الدولة الصغيرة في منطقة البلطيق، أدركت أن الحفاظ على لغتها يعني صون هويتها في المقام الأول. لذلك وضعت سياسات داعمة للمؤلفين، وقدّمت الحوافز لدور النشر كي تستمر في إصدار عناوين جديدة باللغة الأم. ولم تكتفِ بذلك، بل أسست صندوقاً لترجمة الأدب الإستوني إلى لغات أخرى، محاوِلةً فتح نوافذ جديدة أمام كتّابها. وبذلك لم تتحوّل اللغة إلى عبء، بل إلى رصيد ثقافي يُستثمر داخلياً ويُقدَّم للعالم كجزء من الهوية الوطنية.

 

أما في آيسلندا، فقد اتخذت حماية اللغة طابعاً أكثر صرامة واستمرارية، حيث تم التعامل مع الآيسلندية باعتبارها حجر الزاوية في المشروع الثقافي الوطني. فهذه اللغة، التي ما زالت تحتفظ بمفرداتها القديمة منذ قرون، وجدت في الأدب مجالها الطبيعي للبقاء. لذلك بادرت الحكومة إلى دعم الكُتّاب المحليين، وربطت اللغة بالمدارس والبرامج القرائية، حتى أصبح تقليد “طوفان الكتب” جزءاً من هوية المجتمع. وعبر هذا الربط بين اللغة والاحتفال الثقافي، نجحت آيسلندا في جعل القراءة حدثاً جماعياً يعزز الانتماء.

 

وعلى الرغم من اختلاف الظروف بين الدولتين، إلا أن القاسم المشترك بينهما كان البحث عن “المعادلة الذكية”. فالحماية لم تعنِ الانغلاق على الذات، بل التوازن بين الإنتاج المحلي والانفتاح على العالم. من هنا جاء الاستثمار في الترجمة، سواءً من الإستونية والآيسلندية إلى لغات أخرى أو العكس، ليظل القارئ المحلي متصلاً بالأدب العالمي دون أن يُضطر الكاتب للتخلّي عن لغته الأم. هذه الصيغة، التي تمزج بين المقاومة الثقافية والانفتاح الواعي، حوّلت الأدب إلى وسيلة دفاع ناعمة، وفي الوقت نفسه إلى جسر للتواصل مع الآخر.

 

ومن خلال هذه النماذج يصبح الحديث عن اللغات الصغيرة أكثر من مجرد نقاش لغوي، بل قضية تمس الحق في صياغة السرديات الوطنية والثقافية بلغات أصيلة. فما فعلته إستونيا وآيسلندا يؤكد أن حماية اللغة تبدأ من رعاية الأدب وصناعة الكتاب، وأن قوة اللغة لا تُقاس بعدد المتحدثين بها فقط، بل بقدرتها على إنتاج الأدب الذي يُقرأ محلياً ويُترجم عالمياً، لتقدّم هذه التجارب دروساً يمكن أن تلهم العالم، حيث يبقى صون الأدب المحلي بلغاته المختلفة شرطاً للحفاظ على التنوع الثقافي باعتباره ثروة إنسانية لا تعوّض.

 

أخبار حديثة

12يناير
انطلاق ملتقى المكتبات الإماراتية الثاني

انطلاق ملتقى المكتبات الإماراتية الثاني

تحت رعاية سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، تنظّم جمعية الإمارات للمكتبات والمعلومات فعاليات “ملتقى المكتبات الإماراتية الثاني”، تحت شعار “المكتبة بين الذكاء الاصطناعي وإنسانية المعرفة”، وذلك في مقر هيئة الشارقة للكتاب، يوميّ 12 و13 يناير 2026.   ويهدف الملتقى إلى تسليط الضوء على الدور المتجدّد للمكتبات في تعزيز […]

08يناير
أندرو ريتشارد ألبانيز رئيساً لتحرير مجلة “بابليشنغ بيرسبكتيفز”

أندرو ريتشارد ألبانيز رئيساً لتحرير مجلة “بابليشنغ بيرسبكتيفز”

أعلنت مجلة “بابليشنغ بيرسبكتيفز” عن تعيين الصحفي المتخصص أندرو ريتشارد ألبانيز رئيساً لتحريرها، في خطوة تعكس حرص المجلة على تعزيز حضورها التحريري الدولي ومواصلة دورها كمنصة مرجعية لصناعة النشر العالمية. ويأتي هذا التعيين خلفاً للصحفي الراحل بورتر أندرسون، الذي ترك أثراً مهنياً وإنسانياً عميقاً في مسيرة المجلة وبالمشهد الصحفي الثقافي العالمي.   ويُعد ألبانيز من […]

07يناير
معرض نيودلهي للكتاب يعود في 2026 ببرنامج ثقافي متنوّع وحضور عالمي

معرض نيودلهي للكتاب يعود في 2026 ببرنامج ثقافي متنوّع وحضور عالمي

في قلب العاصمة الهندية، تنطلق فعاليات النسخة الثالثة والخمسين من معرض نيودلهي للكتاب، بين 10 و18 يناير 2026 في بهارات ماندابام بمنطقة براغاتي ميدان، ويجمع المعرض آلاف الناشرين والمثقفين والقراء تحت سقف واحد في واحدة من أهم الفعاليات الثقافية السنوية على الساحة الدولية، وتنظّمه مؤسسة الكتاب الوطنية الهندية بالتعاون مع منظمة الترويج التجاري الهندية، ما […]

Related Posts

ما بعد 2025.. كيف تستعد صناعة النشر لعام جديد؟

ما بعد 2025.. كيف تستعد صناعة النشر لعام جديد؟

مع نهاية عام 2025، تقف صناعة النشر عند لحظة تأمّل ومراجعة، لا بوصفها قطاعاً تقليدياً ثابتاً، بل منظومة ثقافية واقتصادية تتشكّل على إيقاع تحوّلات القراءة وأنماط استهلاك المعرفة. فالتحوّلات التي شهدها هذا العام لا تُعبّر عن قطيعة مع الكتاب، بل عن إعادة تعريف متأنّية...

في ذكرى ميلاده: كيف يقرأ الجيل الجديد جبران اليوم؟

في ذكرى ميلاده: كيف يقرأ الجيل الجديد جبران اليوم؟

بالتزامن مع ذكرى ميلاده في السادس من يناير، يعود اسم جبران خليل جبران إلى الأضواء، لا بوصفه كاتباً يُقرأ ضمن تجربة متكاملة، بل كحضور متجدّد في الفضاء الرقمي، فهو حاضر بقوّة اليوم، لكن حضوره يختلف جذرياً عمّا عرفه قرّاء القرن العشرين، إذ لم يعد يُستدعى عبر الكتب وحدها،...

كيف يصل الأدب العربي إلى العالم

كيف يصل الأدب العربي إلى العالم

أصبحت الترجمة اليوم جزءاً من حركة ثقافية عالمية تبحث عن أصوات جديدة تحمل رؤى مختلفة. ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: لماذا ينجح بعض الكُتّاب العرب في الوصول إلى القرّاء الدوليين بينما يظل آخرون في حدود اللغة الأولى؟ الإجابة تتجاوز جودة النصوص نفسها، إذ تتقاطع عند شبكة...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this