في معارض الكتب، وعلى منصات البيع الرقمية، وحتى في قوائم “الأكثر مبيعاً، يلفت الانتباه حضور لافت لأسماء نسائية شابة على أغلفة الروايات العربية، في مسألة لا تبدو تفوّقاً عددياً عابراً، ولا موجة عاطفية مؤقتة، بل تحوّل واضح في خريطة الإنتاج السردي. فالرواية اليوم تُكتب بيد فتيات في مقتبل العمر، وتُقرأ بشغف من جمهور يشبههنّ في الأسئلة والقلق والتجربة. هذا المشهد الجديد لا يفرض نفسه بصخب، بل يتسلل بهدوء إلى قلب السوق.
ويبدو أن الكتابة بالنسبة إلى كثير من الفتيات لم تعد هواية جانبية، بل مساحة تعبير أساسية. فالرواية تمنحهنّ صوتاً لا يحتاج إلى منصة خطابية أو مواجهة مباشرة. عبر السرد، تُقال الأشياء المؤجَّلة، وتُكتب الأسئلة التي يصعب طرحها علناً. لهذا تميل النصوص إلى البوح، وإلى الاقتراب من التفاصيل اليومية والوجدانية، والشخصيات غالباً تشبه الكاتبة، أو تشبه قارئتها المحتملة. هذا القرب العاطفي يوجد علاقة ثقة بين النص والمتلقي. فالقارئ لا يبحث عن بطل خارق، بل عن تجربة صادقة. والرواية الشابة تقدّم ذلك ببساطة غير متكلّفة.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً حاسماً في هذا التحوّل، إذ أن كثير من الكاتبات بدأن الكتابة في فضاءات رقمية مفتوحة، وبنين جمهوراً قبل الوصول إلى دار النشر. والنص هنا يُختبر مباشرة، والتفاعل يصبح معياراً مبكراً للنجاح. وحين تصل المخطوطة إلى الناشر، تكون محاطة بقرّاء محتملين. والسوق لا يصنع الظاهرة، بل يلتحق بها. ودور النشر، بدورها، تتعامل ببراغماتية واضحة. فالاسم الشاب، واللغة القريبة، والموضوعات الحسّاسة، عناصر تُقرأ بوصفها فرصاً لا مغامرات. وهكذا، تتقدّم الرواية النسائية الشابة بخطى واثقة.
في المقابل، يلاحظ غياب نسبي للأصوات الرجالية الشابة عن ساحة الرواية. لا يعني ذلك تراجعاً في الإبداع، بل تحوّلاً في المسارات. فكثير من الكُتّاب الشباب يذهبون إلى السيناريو، أو المحتوى الرقمي، أو إنتاج البودكاست. ويمكن القول إن الرواية، بما تتطلّبه من وقت وصبر وعزلة، لم تعد خيارهم الأول. في حين وجدت الفتيات في السرد الطويل مساحة مناسبة للتأمل والتعبير. هذا التباين لا يحمل حكما قيّمياً، بل يصف واقعاً ثقافياً جديداً. فلكل جيل أدواته، ولكل صوت طريقته في الوصول.
ويبدو أن المشهد الروائي العربي اليوم يُعاد تشكيله من الداخل، بهدوء ودون بيانات. وكثافة الأسماء النسائية الشابة ليست نهاية مرحلة، بل بدايتها. والسؤال الحقيقي ليس لماذا تكتب الفتيات أكثر، بل ماذا يضيفن إلى السرد العربي. صحيح أن بعض التجارب سيبهت، وبعضها سيترسخ ويستمر، والسوق سيتغيّر، والذائقة ستتبدّل مرة أخرى، لكن المؤكد أن الرواية العربية لم تعد حكراً على صوت واحد أو جيل واحد، وإنما هي مساحة مفتوحة، ومن يملك الجرأة على الحكي، يجد مكانه فيها.



