للقارئ في مدينة فرانكفورت الألمانية عناوين تستحق أن يدوّنها إلى جانب أرقام أجنحة الناشرين. عنوان بيت كُتبت فيه رواية غيّرت حياة صاحبها، ومتحف يحتفظ بأثر اليد على المخطوط، ومكان يمكن فيه سماع الأدب بصوت من يكتبه. ومع اقتراب معرض فرانكفورت للكتاب، الذي يقام ما بين 7 إلى 11 أكتوبر 2026، تبدو جولة في قلب المدينة امتداداً طبيعياً لزيارة المعرض. فبين هذه العناوين تتشكّل حكاية أخرى للكتاب، يستطيع الزائر أن يتتبّعها على مهل، وأن ينتقل بين فصولها سيراً على الأقدام.
يمكن أن تبدأ الجولة من بيت يوهان فولفغانغ غوته في شارع غروسر هيرشغرابن، حيث ولد الكاتب وأمضى طفولته ومعظم سنوات شبابه. في هذا البيت كتب “آلام فرتر” والصيغة الأولى من “فاوست”، قبل أن تصبح أعماله جزءاً من ذاكرة الأدب العالمي. وتتيح الغرف المؤثثة استعادة شيء من حياة الأسرة وفرانكفورت في القرن الثامن عشر. هنا يكتسب اسم غوته، الذي اعتاد القارئ رؤيته على الأغلفة، ملامح أكثر قرباً: شاب يعيش في بيت عائلته، ويكتب أعمالاً لم يكن قراؤها قد عرفوه بعد.
وبجوار البيت، يفتح متحف الرومانسية الألماني باباً إلى زمن أدبي أوسع، عبر مخطوطات ورسوم ولوحات ومقتنيات من الحياة اليومية. تمنح هذه المواد الزائر فرصة للتأمل في الأدب قبل أن يستقر في طبعة أنيقة، حين يكون كتابة بخط اليد، أو فكرة تتصل بصورة وموسيقى وتجربة شخصية. ويتيح تجاور المكانين الانتقال من سيرة كاتب إلى عالم من العلاقات والأفكار، وفهم كيف تتجاور الفنون داخل المخيلة التي تمنح الكتاب شكله الأول.
ومن هناك، تقود الجولة إلى كنيسة القديس بولس، إحدى المحطات الأساسية في تاريخ المدينة والكتاب معاً. فقد استضافت عام 1949 أول معرض فرانكفورت للكتاب بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تحتضن أيضاً مراسم جائزة السلام لتجارة الكتب الألمانية. حيث يمنح هذا التاريخ المكان معنى يتجاوز عمارته، ففيه تلتقي عودة الناشرين إلى عرض كتبهم بعد الحرب مع تقليد ثقافي يربط الكلمة بالتفاهم بين الشعوب. وعند الوقوف أمامه، يصبح تاريخ المعرض أقرب إلى حكاية مدينة حاولت استعادة صوتها.
وبالاتجاه نحو نهر الماين، يصل المسار إلى “بيت الأدب”، الذي اتخذ منذ عام 2005 من مبنى المكتبة البلدية القديمة المعاد تشييده مقراً له. هنا تستمر العلاقة بين المدينة والكتابة عبر القراءات والحوارات والبرامج الموجّهة إلى أجيال مختلفة. وللمكان جاذبية خاصة في جولة كهذه، فبعد الاقتراب من حياة كاتب رحل ومن مخطوطات بقيت بعد أصحابها، يجد الزائر مساحة يستمر فيها الحديث حول كتب تُكتب وتُقرأ اليوم، وتتيح له أن يعود إلى نص يعرفه وفي أذنه نبرة صاحبه.
وخلال أسبوع المعرض، تتقارب هذه العناوين أكثر مع مهرجان “أوبن بوكس”، الذي يُقام هذا العام من 6 إلى 10 أكتوبر، وتنتشر قراءاته ولقاءاته حول ساحة رومربيرغ وفي مواقع ثقافية أخرى. ويمكن حضور فعالياته مجاناً، باستثناء حفل الافتتاح في المكتبة الوطنية الألمانية. وهكذا قد تنتهي الجولة بمقعد في أمسية أدبية، أو بكتاب اختاره الزائر بعدما سمع مؤلفه يتحدث عنه. عندها تحمل العودة من فرانكفورت شيئاً يصعب وضعه في حقيبة: ذاكرة الأماكن التي منحت الكتب وجوهاً وأصواتاً.



