Home 5 مقالات و تقارير 5 إعادة اكتشاف كازوو إيشيغورو: رحلة عبر الذاكرة والهوية

إعادة اكتشاف كازوو إيشيغورو: رحلة عبر الذاكرة والهوية

بواسطة | أغسطس 21, 2025 | مقالات و تقارير

منذ فوزه بجائزة نوبل في الأدب عام 2017، عاد اسم كازو إيشيغورو ليحتل مساحة بارزة في النقاشات الأدبية العالمية، لكن هذا “الاكتشاف المتجدد” لا يعني أن الكاتب البريطاني الياباني كان يوماً غائباً. فمنذ روايته الأشهر “بقايا النهار” (1989)، التي قدّم فيها صورة آسرة لقيّم الواجب والوفاء في مواجهة تحوّلات التاريخ، ظل إيشيغورو يكتب أعمالاً تتحدى تصنيفات الزمن والهوية وتفتح نافذة لرؤية العالم من زاوية غير متوقعة.

 

وما يميّز عالم إيشيغورو أن شخصياته تبدو دائماً في سباق مع الزمن، لكن ليس الزمن في معناه الميكانيكي، بل الزمن كقوة ناعمة تشكّل الوعي وتعيد صياغة الحقيقة. ففي روايته “بقايا النهار”، نتابع رحلة كبير الخدم ستيفنز في الريف الإنجليزي، في رحلة ظاهرها جغرافي وباطنها تصالح مع ماضٍ ثقيل. هذا الانغماس في تفاصيل الذاكرة، حيث يصبح السرد نفسه فعل تذكّر وانتقاء، كان البذرة التي ستثمر لاحقاً في أعمال أكثر جرأة على الخيال والافتراضات الوجودية.

 

ومع مطلع الألفية، بدأ إيشيغورو يخطو نحو مساحة أوسع بين الواقعية والاستعارة، كما في “لا تدعني أرحل أبداً” (2005)، حيث استخدم إطار الخيال العلمي لاستكشاف أسئلة أخلاقية عميقة حول المصير والحرية. هنا لم يعد الزمن مجرد خلفية، بل أصبح آلية سردية تضغط على الشخصيات وتدفعها إلى مواجهة حقيقة كونها “مؤقتة” في عالم يتحكم فيه الآخرون بمصيرهم. هذه القدرة على نقل هواجس الهوية من سياق إنساني تقليدي إلى بيئات مستقبلية عززت مكانة إيشيغورو ككاتب يتجاوز الحدود بين الأنواع الأدبية.

 

أما في روايته الأخيرة “كلارا والشمس” (2021)، فقط وصل إيشيغورو إلى أقصى درجات المزج بين الحميمي والفلسفي. عبر صوت كلارا، الروبوت المرافق للأطفال، نرى العالم بعينين بريئتين لكنهما مبرمجتان على الملاحظة الدقيقة، فيطرح الكاتب سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفهم جوهر الحب والوفاء؟ هنا يصبح الزمن ليس فقط ما يعيشه البشر، بل أيضاً ما تختبره الكائنات المصطنعة وهي تتأمل أفول دورها في حياة الآخرين.

 

اللافت أن إيشيغورو، رغم انتقاله من القصور الإنجليزية إلى مختبرات المستقبل، ظل وفياً لموضوعاته المحورية: هشاشة الذاكرة، وثقل الماضي، والبحث الدائم عن معنى الهوية في مواجهة قوى أكبر من الفرد. هذا الثبات في جوهر الاهتمامات، مقابل التجدد في الوسائط والأساليب، هو ما يجعل إعادة اكتشافه أمراً ممتعاً ومُلهماً في كل قراءة. فالقارئ الذي يعود إلى “بقايا النهار” بعد أن يقرأ “كلارا والشمس” سيجد خيطاً غير مرئي يربط بين كبير الخدم الذي يتأمل حياته، والروبوت الذي يحاول فهم معنى أن تكون إنساناً.

 

إعادة اكتشاف إيشيغورو إذاً ليست مجرد عودة إلى أرشيف روائي، بل هي دعوة لإعادة النظر في علاقتنا نحن بالزمن والهوية، وكيف نعيد صياغة ذواتنا مع كل تحوّل. فأعماله تذكّرنا بأن الحكاية الجيّدة لا تموت بمرور السنين، بل تتجدد مع كل قارئ جديد، ومع كل مرحلة نعيشها، لنكتشف أن ما كتبه قبل عقود لا يزال يعكس أسئلتنا اليوم، وربما أسئلة الغد أيضاً.

 

أخبار حديثة

26فبراير
فتح باب النشر في “مجلة الشارقة للدراسات الأثرية”

فتح باب النشر في “مجلة الشارقة للدراسات الأثرية”

أعلنت هيئة الشارقة للآثار عن فتح باب التقديم والتسجيل للنشر في “مجلة الشارقة للدراسات الأثرية”، المجلة العلمية المحكمة التي تصدر برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في خطوة تعكس التزام الهيئة بدعم البحث العلمي المتخصص وتعزيز مكانة الإمارة مركزاً معرفياً رائداً في مجالات الآثار والتراث الثقافي.   […]

23فبراير
اختيار سلطنة عُمان ضيف شرف معرض الشارقة الدولي للكتاب

اختيار سلطنة عُمان ضيف شرف معرض الشارقة الدولي للكتاب

أعلنت سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، اختيار سلطنة عُمان ضيف شرف الدورة الـ 45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، احتفاءً بما قدّمته الثقافة العُمانية من إسهامات راسخة في الأدب والفكر العربي، وتقديراً لحضورها المعرفي الذي شكّل عبر عقود جزءاً أصيلاً من المشهد الثقافي الخليجي والعربي.   وأكدت […]

19فبراير
جائزة الشيخ زايد للكتاب تعلن قوائمها القصيرة في دورتها العشرين

جائزة الشيخ زايد للكتاب تعلن قوائمها القصيرة في دورتها العشرين

أعلن مركز أبوظبي للغة العربية عن القوائم القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها العشرين (2025-2026)، والتي شملت فروع الآداب، والمؤلف الشاب، والترجمة، والفنون والدراسات النقدية، والثقافة العربية في اللغات الأخرى، والمخطوطات والموسوعات والمعاجم، إضافة إلى النشر والتقنيات الثقافية. وجاءت الأعمال المرشحة لتعكس تنوعاً لافتاً في التجارب الإبداعية والبحثية، وحضوراً دولياً متنامياً يرسّخ مكانة الجائزة […]

Related Posts

الملكة ماوية.. سيرة أقوى امرأة في التاريخ العربي القديم بعد زنوبيا

الملكة ماوية.. سيرة أقوى امرأة في التاريخ العربي القديم بعد زنوبيا

تُعدّ الملكة العربية ماوية (375–425م) واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ العربي المتأخر قبل الإسلام، وقائدة لعبت دوراً محورياً في إعادة رسم علاقة العرب بالسلطة السياسية والدينية في القرن الرابع الميلادي. فقد برزت بوصفها زعيمة قبائل عربية على تخوم الإمبراطورية...

في الشتاء نقرأ ببطء.. حين تتحوّل القراءة إلى فعل تأمّل

في الشتاء نقرأ ببطء.. حين تتحوّل القراءة إلى فعل تأمّل

مع دخول فصل الشتاء، لا يتغيّر الطقس وحده، بل يتبدّل إيقاع الحياة بأكمله، فيخفّ اندفاع الأيام، وتتراجع الحاجة إلى السرعة، ويجد الإنسان نفسه أقرب إلى الداخل منه إلى الخارج. في هذا المناخ الهادئ، تتغيّر علاقتنا بالقراءة تلقائياً، فلا نقرأ لننهي كتاباً، ولا لنضيف عنواناً...

ما بعد 2025.. كيف تستعد صناعة النشر لعام جديد؟

ما بعد 2025.. كيف تستعد صناعة النشر لعام جديد؟

مع نهاية عام 2025، تقف صناعة النشر عند لحظة تأمّل ومراجعة، لا بوصفها قطاعاً تقليدياً ثابتاً، بل منظومة ثقافية واقتصادية تتشكّل على إيقاع تحوّلات القراءة وأنماط استهلاك المعرفة. فالتحوّلات التي شهدها هذا العام لا تُعبّر عن قطيعة مع الكتاب، بل عن إعادة تعريف متأنّية...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this