في لحظة ثقافية مشحونة بأسئلة الراهن، أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية عن فوز الروائي الجزائري سعيد خطيبي عن روايته “أغالب مجرى النهر”، في دورة استثنائية عكست تحوّلات العالم وتحدياته. وجاء الإعلان هذا العام عبر لقاء افتراضي، في مشهد يختزل طبيعة المرحلة التي لم تعد تفصل بين الأدب والواقع، بل تدفعهما إلى التداخل والتفاعل. وبين شاشة البث وذاكرة النص، بدا التتويج وكأنه امتداد لصوت روائي يكتب ضد التيار، ويعيد مساءلة التاريخ من زوايا غير مألوفة، حيث تتحوّل الحكاية إلى مساحة مقاومة رمزية لما تراكم من صمت وتصدعات.
واختارت لجنة التحكيم الرواية من بين ستة أعمال وصلت إلى القائمة القصيرة، وحملت تنوعاً جغرافياً وموضوعياً يعكس حيوية المشهد السردي العربي. وقد ترأس اللجنة الناقد التونسي محمد القاضي، الذي أشار إلى أن الرواية الفائزة تشكّل “رحلة آسرة عكس مجرى التاريخ”، بما تحمله من تركيب سردي معقد وتفكيك دقيق للحظة تاريخية متفلّتة. و”هذا الاختيار لم يكن مجرد تتويج عمل روائي، بل تأكيد على قدرة الأدب على التقاط ما تعجز عنه الوثائق، وإعادة صياغته بلغة تتجاوز المباشر إلى التأويل العميق”.
وتنطلق الرواية من بنية تبدو أقرب إلى الأدب البوليسي، حيث تتورّط طبيبة عيون في جريمة قتل غامضة، لكنها سرعان ما تتشعّب إلى طبقات سردية أعمق، تكشف عن تاريخ الجزائر الممتد من الحرب العالمية الثانية إلى العشرية السوداء. ومن خلال شخصيتي الابنة والأب، تتقاطع سرديتان تعبران الأجيال، وتكشفان عن صراعات الهوية والانتماء والذاكرة. هنا لا تكون الجريمة حدثاً منفصلاً، بل مدخلاً لفهم “الجريمة الكبرى” التي عاشها المجتمع، كما أشار الكاتب، في استعارة تضع القارئ أمام مسؤولية إعادة النظر فيما اعتاد اعتباره مسلّمات.
يمتلك سعيد خطيبي، مساراً أدبياً متصاعداً، رسّخه عبر أعمال سابقة نالت حضوراً نقدياً وجماهيرياً، من بينها “أربعون عاماً في انتظار إيزابيل”، و”حطب سراييفو”، و”نهاية الصحراء”. ويأتي هذا التتويج ليؤكد نضج تجربته وقدرته على توظيف السرد كأداة لفهم التحوّلات الكبرى. كما تعكس الجائزة، في بُعدها الأوسع، التزامها بدعم الأدب العربي المعاصر وتعزيز حضوره عالمياً، عبر ترجمة الأعمال الفائزة وإيصالها إلى قارئ جديد، في زمن باتت فيه الرواية جسراً ضرورياً بين الثقافات، وصوتاً يُعبّر عن إنسانية مشتركة رغم كل الاختلافات.



