Home 5 مقالات و تقارير 5 “الحرب والسلام”: جدل الحرية والقدر

“الحرب والسلام”: جدل الحرية والقدر

بواسطة | سبتمبر 8, 2025 | مقالات و تقارير

يعد ليو تولستوي واحداً من أعظم من كتبوا عن الحياة كما هي، لا كما ينبغي أن تكون. ففي روايته الشهيرة “الحرب والسلام” لم يقدّم مجرد حكاية عن صراع عسكري أو قصة حب، بل شيّد عالماً متكاملاً تتحرّك فيه مئات الشخصيات. هنا، لا يوجد بطل أوحد يحتكر المشهد، بل مجتمعاً كاملاً يتحّرك ويتنفس، من ميادين المعارك التي تصخب بالمدافع إلى صالونات الأرستقراطية التي تضج بالهمسات.

 

في هذا العمل، لا يرسم تولستوي الحرب كحدث سياسي أو عسكري فقط، بل يجعلها مرآة لأسئلة إنسانية أوسع: ما دور الفرد في مجرى التاريخ؟ وكيف يمكن لعاصفة طبيعية أو قرار صغير أن يغيّر مصير أمة كاملة؟ إن الجنرال العظيم قد يهزم أمام مفاجآت الطبيعة، والجندي المجهول قد يصبح محور التحوّل، وهكذا تتحوّل الحرب من وقائع مدونة في كتب التاريخ إلى سؤال وجودي يخص كل إنسان.

 

وفي الجهة الأخرى من اللوحة، أو العمل الأدبي الذي لا يقل فرادة وجمالاً عن أكثر الأعمال الفنية إبداعاً، نرى عالم القصور، حيث تدور معارك لا تقل عنفاً عن ساحات القتال. فهنا الحب المحاصر بالقيود الاجتماعية، والصداقة التي تتصدّع تحت ثقل الطموح، والأحلام التي تنكسر بصمت. يبرع تولستوي في جعل هذه التفاصيل الصغيرة جزءاً من نسيج الحياة، حتى يصبح القارئ شريكاً في القلق والأمل والانكسار، وكأنما يعيش مع الشخصيات لا يقرأ عنها.

 

وهكذا تبدو “الحرب والسلام” ليست رواية واحدة، بل عشرات القصص المتشابكة التي تلتقي في عمل واحد. ناتاشا بأحلامها وعثراتها، والأمير أندريه بجرحه الداخلي، وبيير الذي يبحث عن معنى وجوده… كلها خيوط تبدو منفصلة لكنها تنسج معاً لوحة متكاملة. وحتى اللحظات الصغيرة – نظرة عابرة، كلمة هامسة، صمت قصير – تحمل عند تولستوي ثقل المدافع ورهبة القرارات المصيرية التي تتحكّم في مصائر شعوب بأكملها.

 

ولعل سر الخلود في هذه الرواية أنها لا تروي التاريخ ببروده، بل الحياة بدفئها. فقد قدّم ليو تولستوي المجتمع الروسي ككائن ينبض أمام القارئ، بكل طبقاته وتناقضاته، وكأنه يقول إن الرواية الكبرى هي التي تجعلنا نرى أنفسنا في الآخرين. لهذا تبقى “الحرب والسلام”، بعد قرن ونصف على صدورها، قادرة على إبهار القرّاء، وتذكيرهم أن الأدب العظيم ليس رواية تُقرأ، بل حياة كاملة تُعاش بين الصفحات.

 

 

أخبار حديثة

06مارس
شهر القراءة في الإمارات… احتفاء بالمعرفة وصناعة القارئ

شهر القراءة في الإمارات… احتفاء بالمعرفة وصناعة القارئ

تحتفي دولة الإمارات طوال شهر مارس بشهر القراءة، في مناسبة تحوّلت إلى تقليد وطني يعكس موقع الكتاب في المشروع الحضاري للدولة. إذ لم تعد القراءة نشاطاً فردياً معزولاً، بل ممارسة مجتمعية تتجدّد سنوياً عبر برامج تمتد من المدارس إلى الجامعات، ومن المكتبات العامة إلى المراكز الثقافية. ففي هذا الشهر، يُستعاد معنى الصفحة الأولى، ويُعاد التأكيد […]

03مارس
شهر القراءة في الإمارات… احتفاء بالمعرفة وصناعة القارئ

شهر القراءة في الإمارات… احتفاء بالمعرفة وصناعة القارئ

تحتفي دولة الإمارات طوال شهر مارس بشهر القراءة، في مناسبة تحوّلت إلى تقليد وطني يعكس موقع الكتاب في المشروع الحضاري للدولة. إذ لم تعد القراءة نشاطاً فردياً معزولاً، بل ممارسة مجتمعية تتجدّد سنوياً عبر برامج تمتد من المدارس إلى الجامعات، ومن المكتبات العامة إلى المراكز الثقافية. ففي هذا الشهر، يُستعاد معنى الصفحة الأولى، ويُعاد التأكيد […]

28فبراير
“كان ياما كان” تفتح باب التبرع بالكتب لدعم أطفال العالم

“كان ياما كان” تفتح باب التبرع بالكتب لدعم أطفال العالم

أعلنت مبادرة “كان ياما كان”، التي ينظّمها المجلس الإماراتي لكتب اليافعين، عن فتح باب التبرعات بالكتب ضمن حملتها السنوية التي تقام في شهر رمضان المبارك، بالتعاون مع شبكة من المكتبات العامة في أبوظبي والشارقة وعجمان ورأس الخيمة والفجيرة وأم القيوين، بهدف إيصال كتب عالية الجودة إلى الأطفال في مناطق الأزمات والكوارث حول العالم.   وتأتي […]

Related Posts

كيف تربط معارض الكتب بين الدول

كيف تربط معارض الكتب بين الدول

لم تعد معارض الكتب في العالم مجرد مناسبات موسمية لبيع الإصدارات الجديدة أو لقاء القراء بالمؤلفين، بل تحوّلت خلال العقود الأخيرة إلى فضاءات أوسع للدبلوماسية الثقافية وتبادل الأفكار بين الدول. ففي فعاليات كبرى مثل معرض فرانكفورت للكتاب أو معرض الشارقة الدولي للكتاب أو...

شهر القراءة في الإمارات… احتفاء بالمعرفة وصناعة القارئ

شهر القراءة في الإمارات… احتفاء بالمعرفة وصناعة القارئ

تحتفي دولة الإمارات طوال شهر مارس بشهر القراءة، في مناسبة تحوّلت إلى تقليد وطني يعكس موقع الكتاب في المشروع الحضاري للدولة. إذ لم تعد القراءة نشاطاً فردياً معزولاً، بل ممارسة مجتمعية تتجدّد سنوياً عبر برامج تمتد من المدارس إلى الجامعات، ومن المكتبات العامة إلى المراكز...

كيف تمنحنا القراءة دعماً نفسياً في أوقات الحروب والكوارث؟

كيف تمنحنا القراءة دعماً نفسياً في أوقات الحروب والكوارث؟

في أزمنة الحروب والكوارث، حين تضيق المساحات ويعلو صوت القلق، تفتح القراءة نافذة هادئة في جدار الخوف. صحيح أن الكتاب لا يوقف دويّ المدافع، لكنه يخفّف ارتجاف الروح، ويمنح العقل فرصة لالتقاط أنفاسه بعيداً عن ضجيج الأخبار العاجلة. ففي الصفحات مساحة آمنة يُعاد فيها ترتيب...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this