Home 5 مقالات و تقارير 5 توزيع الكتاب.. سوق عربية مفتتة ومتغيرات عالمية حادة

توزيع الكتاب.. سوق عربية مفتتة ومتغيرات عالمية حادة

بواسطة | أكتوبر 18, 2017 | مقالات و تقارير

باريس – شوقي بن حسن

ضمن سلسلة تسويق أية بضاعة، يظل التوزيع حلقة أساسية، فبدونها تذهب هدراً مجهودات تسبقها منذ عملية الإنتاج إلى التصميم، وصولاً إلى الإشهار. لذلك جرى الاستثمار في التوزيع فتخصّصت فيه الكثير من الشركات من المواد الغذائية إلى المنتجات الإعلامية.

لكن ماذا عن الكتاب؟ هذه البضاعة التي لها من الخصوصيات ما يجعل الكثير من حلقات تسويقها تختلف عن سائر البضائع.

في الحقيقة، يمكن القول: إن الكتاب من أكثر البضائع حساسية في عملية التوزيع، ورغم ذلك فإن وجود شركات توزيع متخصّصة بالكتاب لا يعدّ أمراً شائعاً، في البلاد العربية أو حتى في الغرب، حيث يجري إدماج هذه الحلقة مع حلقات أخرى.

لا يمثل التوزيع سبيلاً لتحقيق رواج الكتاب وحسب، وإنما ينعكس بصورة مباشرة على سعرة، إذ نشرت مؤسسة “كوبيمديا” الفرنسية دراسة، تبين أن كل عنصر يدخل في عملية النشر يؤثر في السعر النهائي للكتاب، وفيه يظهر أن حلقة التوزيع وحدها تساهم في خُمس سعر الكتاب، مقابل نفس النسبة تقريباً للطباعة فيما تتوزّع بقية النسب على هامش الربحية للبائع، وخدمات دور النشر، ومصاريفها، وحقوق التأليف والترجمة في حال كانت موجودة.

هذه النسبة الكبيرة التي يستهلكها التوزيع كثيراً ما أغرت دور النشر بإدماج خدمة التوزيع ضمن مهامها، غير أن هذا التصوّر هو نفسه أحد مشاكل التوزيع، إذ أن تفرّق مهمة التوزيع بين مؤسسات صغرى لا يسمح بتقليل كلفته، كما أن مسؤولي دور النشر يعرفون أن توزيع منتجات قليلة لا يتيح تطوير هذا النشاط كثيراً، وبالتالي يبدأون في الإحجام عنه تدريجياً.

هذا على مستوى عام، أما عربياً، فثمة واقع أكثر تعقيداً، تعود أسبابه إلى أن مؤسسات النشر أصغر حجماً والأسواق التي تتحرّك فيها هي الأخرى صغيرة، في ما عدا القليل منها التي تجد الفضاء التسويقي الأكبر، وتظل -في الوقت نفسه- محكومة لجملة العوائق اللوجيستية التي تقف أمام عملية توزيع سليمة وناجعة.
إلى جانب ذلك تتداخل سلسلة تسويق الكتاب في الساحة العربية، فكثيراً من الأحيان لا نفرّق بين دار النشر والموزّع وهو ما تشهد عليه الكثير من أسماء دور النشر حيث نجد فيها لازمة تتكرّر “دار ….. للنشر والتوزيع” دون أن يكون لذلك سند واقعي سواء على المستوى اللوجستي، أو على مستوى شبكة المسوّقين التي تتعامل معها، المكتبات غالباً، والتي تتداخل هي الأخرى مع دور الموزّع. وفي المحصّلة، تبقى المهمة معلقة بين أطراف كثيرة يُحجم معظمهم على التقدّم بقوة لقلة توقّعات الربح.

عامل آخر ينبغي الإشارة إليه وهو وجود أزمة ثقة بين عناصر الكتاب، لعل أوضحها علاقة دار النشر بالموزّع، وهي أحد أسباب محاولة دور النشر التكفّل بالمهمة والذهاب مباشرة بمنتجاتها إلى المكتبة، وهي أزمة شبيهة بتلك التي تقع في مستوى آخر من صناعة الكتاب يجري تسليط الضوء عليها أكثر؛ وهي العلاقة بين الكاتب والناشر.

في الأخير، نجد واقعاً كالذي يعيشه الكتاب العربي منذ عقود، وهو أن توزيع الكتاب يظل عملية فوضوية وروتينية، فنماذج التوزيع الأكثر تداولاً عربياً هي إرسال عدد محدود من النسخ للمكتبات يجري تسوية فواتيرها بعد البيع، أو تكفّل بعض شركات توزيع الجرائد والمجلات بذلك وهي تجربة أثبتت عدم نجاعتها حيث أن الكتاب يكون في آخر قائمة أولويات التسويق. أما فضاء التسويق الرئيسي فهو معارض الكتب التي كثيراً ما تضاربت مواعيدها وأرهقت دور النشر.

أزمة التوزيع أيضاً ينبغي فهمها من خلال خارطة أشكال وصول الكتاب إلى القارئ، حيث تشير التقديرات العالمية اليوم أن ثلث الكتب لا تزال تصل إلى القارئ عن طريق المكتبة، لكن هذه النسبة في تراجع مستمر بسبب تصاعد الإقبال على شراء الكتب من خلال شبكات التوصيل الإلكتروني مثل: أمازون، وبرايس مينستر، بالإضافة إلى خدمات تقدّمها مرافق مثل البريد أو مواقع ذات صبغة أشمل مثل غوغل، إضافة إلى بيع الكتاب وتسويقه في التظاهرات من نوع معارض الكتب، أو عبر المؤسسات الثقافية والأكاديمية التي غالباً ما تكون نتاج علاقة الناشر الشخصية مع المسؤولين عن هذه المؤسسات.

هكذا نفهم أن التوزيع بالشكل التقليدي في تراجع على مستوى عالمي، وبالتالي فإن الاستثمار فيه سيعرف انخفاضاً متواصلاً، الأمر الذي يطرح تساؤل: ما تأثير الانحسار المستمر للتوزيع على منظومة النشر بصورة عامة، وصناعة الكتاب بشكل خاص؟

يمكن الإجابة على هذا التساؤل بمعاينة متغيرات واقع التسويق المعاصرة، إذ يشير المستقبل إلى ابتلاع شبكات التوزيع الإلكتروني على رأسها أمازون وغوغل لسوق التوزيع، بغضّ النظر عن نوع البضاعة.

عودة إلى العالم العربي، علينا أن نشير إلى أن خدمات التوزيع الإلكتروني لا تزال تقطع ببطء خطواتها الأولى لتعقيدات إدارية وتخوّفات من الناشرين لا تعدّ ولا تحصى، وثمة مشاريع توزيع إلكتروني عربية مثل “نيل وفرات” و”جملون” لم تحظ بعد بالشعبية التي تحوّلها إلى سوق حقيقي للكتاب، كما يجري الخلط بينها وبين مواقع الكتب الإلكترونية.

يفرض هذا الواقع تساؤلات من نوع: هل تشغل هذه المعطيات بال الناشرين في العالم العربي؟ أم لا يزال معظمهم ينتهجون نفس المسالك كما في عقود خلت؟ لقد ظلت مسألة التوزيع معلقة منذ عقود ومؤجّلة، خصوصاً وأنها مرتبطة بقرارات (توسعة الأسواق) و(سياسات دور النشر).

يحتاج الأمر اليوم إلى تفكير مزدوج؛ ضمن المتغيّرات العالمية السريعة والحادة لكل من التوزيع من جهة وقطاع النشر من جهة أخرى، ويتطلب التفكير بناء على خصائص السوق العربية ومعطياتها، فمنظومة النشر العربية لم تتجاوز أبدأً إعاقتها الرئيسية؛ وهي بناء سوق حيويّ بحجم الفضاء الثقافي الذي تمثله المنطقة العربية واحتكاكاتها التاريخية والجغرافية مع مختلف بلدان العالم.

أخبار حديثة

16يونيو
الإمارات ضيف شرف معرض بكين للكتاب

الإمارات ضيف شرف معرض بكين للكتاب

تنطلق فعاليات الدورة الثانية والثلاثين من معرض بكين الدولي للكتاب خلال الفترة من 17 إلى 21 يونيو 2026، بمشاركة أكثر من 1700 جهة عارضة من 82 دولة ومنطقة، فيما تحل دولة الإمارات ضيف شرف المعرض الذي يحتفل هذا العام بمرور أربعين عاماً على انطلاقته. ويُعد المعرض أكبر منصة لصناعة النشر في آسيا وأحد أبرز معارض […]

10يونيو
الجائزة الدولية لأدب الطفل العربي تواصل استقبال المشاركات

الجائزة الدولية لأدب الطفل العربي تواصل استقبال المشاركات

تواصل الجائزة الدولية لأدب الطفل العربي، التي ينظمها المجلس الإماراتي لكتب اليافعين وتحظى برعاية شركة “إي آند”، استقبال طلبات المشاركة في دورتها الثامنة عشرة، حيث يستمر التسجيل حتى 31 يوليو 2026، فيما يتواصل استلام الكتب والأعمال المرشحة حتى 31 أغسطس 2026. وتفتح الجائزة المجال أمام المؤلفين والرسامين والناشرين المتخصصين في أدب الأطفال واليافعين باللغة العربية […]

09يونيو
انطلاق الدورة الـ96 لمعرض لشبونة للكتاب

انطلاق الدورة الـ96 لمعرض لشبونة للكتاب

افتتحت في العاصمة البرتغالية فعاليات الدورة 96 من معرض لشبونة للكتاب في متنزه إدواردو السابع، بمشاركة 350 جناحاً تمثل نحو 900 دار وعلامة نشر، ضمن برنامج ثقافي يستمر حتى 14 يونيو 2026. ويُعد المعرض أكبر مكتبة مفتوحة في الهواء الطلق بالبرتغال، حيث يجمع آلاف القراء والناشرين والكُتّاب، فيما تتضمن دورة هذا العام أكثر من 2200 […]

Related Posts

خمسة كتّاب بولنديين أعادوا تعريف الأدب

خمسة كتّاب بولنديين أعادوا تعريف الأدب

لم يكن فوز خمسة كُتّاب بولنديين بجائزة نوبل في الآداب مجرد مصادفة تاريخية، بل انعكاساً لأدب عاش دائماً على حافة الألم والتحوّل. فمنذ مطلع القرن الماضي، ظل الأدباء البولنديون يكتبون كما لو أن الكتابة محاولة دائمة لإنقاذ الروح من الخراب، أو إعادة اختراع الوطن بالكلمات...

مكتبة زالوسكي في وارسو… الكتب تُحرق لكن الأفكار لا تموت

مكتبة زالوسكي في وارسو… الكتب تُحرق لكن الأفكار لا تموت

تعد مكتبة زالوسكي في العاصمة البولندية وارسو، واحدة من أقدم المكتبات العام في أوروبا، حيث يرجع تاريخ تأسيسها إلى الفترة ما بين عاميّ 1747 و1795، وهي فترة كانت الكتب فيها تعامل ككنوز خاصة، قبل أن يقرر رجلان أن يفتحا أبواب هذا الكنز للناس. وهكذا بدأت الحكاية، لا كحدث...

صناعة النشر واستراتيجيات التكيّف مع عالم غير مستقر

صناعة النشر واستراتيجيات التكيّف مع عالم غير مستقر

في زمن تتشابك فيه الأزمات وتتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، لم تعد صناعة النشر بمنأى عن اضطرابات العالم، بل أصبحت في قلبها. فارتفاع أسعار الورق والحبر، وتذبذب سلاسل التوريد، وتعقيدات الشحن العابرة للحدود، أعادت تشكيل المشهد المهني للناشرين، ودفعتهم إلى إعادة التفكير...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this