تحتفي دولة الإمارات طوال شهر مارس بشهر القراءة، في مناسبة تحوّلت إلى تقليد وطني يعكس موقع الكتاب في المشروع الحضاري للدولة. إذ لم تعد القراءة نشاطاً فردياً معزولاً، بل ممارسة مجتمعية تتجدّد سنوياً عبر برامج تمتد من المدارس إلى الجامعات، ومن المكتبات العامة إلى المراكز الثقافية. ففي هذا الشهر، يُستعاد معنى الصفحة الأولى، ويُعاد التأكيد على أن المعرفة ليست ترفاً، بل ركيزة في بناء الإنسان، وتتكامل الجهود الحكومية والخاصة لتكريس القراءة عادة يومية، بما يتجاوز الشعارات إلى المبادرات العملية، ليصبح مارس مساحة مفتوحة للاحتفاء بالكلمة، وتعزيز علاقة المجتمع بالكتاب بوصفه أداة وعي وتطوير.
ومنذ تخصيص مارس شهراً وطنياً للقراءة، اتخذت الإمارات إطاراً استراتيجياً طويل الأمد، يهدف إلى ترسيخ ثقافة المطالعة في مختلف الفئات العمرية. فالرهان لا يقتصر على زيادة معدلات القراءة، بل يمتد إلى بناء وعي نقدي، وتعزيز التفكير التحليلي، وربط المعرفة بالحياة اليومية. لذلك تُصمم المبادرات بعناية لتستهدف الطفل واليافع والأسرة، وتُفعّل داخل المؤسسات التعليمية وأماكن العمل والمواقع العامة. وتواكب هذه الجهود سياسات ثقافية تسعى إلى قياس الأثر وتطوير البرامج بصورة مستمرة. وبهذا المعنى، يصبح شهر القراءة محطة تقييم وتطوير في آن واحد، تُراجع فيها الإنجازات وتُستشرف الخطوات المقبلة.
وتتنوّع الفعاليات خلال مارس بين جلسات قراءة تفاعلية، وورش إبداعية، وندوات متخصصة، ومسابقات تحفّز على اكتشاف عوالم جديدة عبر الكتب. وتشارك دور النشر والمكتبات والهيئات الثقافية في إطلاق مبادرات تعزز حضور الكتاب بالحياة اليومية، سواءً عبر خصومات تشجيعية أو برامج موجهة للأطفال واليافعين. كما تحضر القراءة في الفضاء الرقمي من خلال حملات تفاعلية تستهدف جمهوراً أوسع، ما يوسّع دائرة التأثير ويمنح المبادرة بُعداً معاصراً. وفي قلب هذه الأنشطة، تبقى القصة أداة جذب أساسية، تُعيد الطفل إلى الكتاب بوصفه مساحة خيال ومتعة، لا مجرد مادة تعليمية.
وعلى مستوى صناعة النشر، يشكّل شهر القراءة فرصة لإبراز الإنتاج المحلي والعربي، وتسليط الضوء على جودة المحتوى وتنوعه. فالاحتفاء لا يقتصر على القارئ، بل يمتد إلى المؤلفين والرسامين والناشرين الذين يسهمون في إثراء المشهد الثقافي. وتبرز خلال هذا الشهر إصدارات جديدة، وتُستعاد عناوين شكّلت علامات فارقة في المكتبة العربية. كما تتعزز النقاشات حول تطوير صناعة الكتاب، وسبل جذب أجيال جديدة إلى القراءة في ظل التحوّلات الرقمية المتسارعة. وهكذا يتحوّل مارس إلى موسم ثقافي ينعش حركة النشر، ويعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول الجودة والجاذبية وأثرهما في بناء قارئ مستدام.
في المحصلة، لا يُنظر إلى شهر القراءة كمناسبة عابرة، بل كجزء من رؤية أوسع لبناء مجتمع معرفي متكامل. فالكتاب في الإمارات ليس مجرد منتج ثقافي، بل أداة تشكيل وعي، وجسر تواصل بين الأجيال، ومساحة لتجديد الحوار مع الذات والعالم. ومع كل دورة من هذا الشهر، تتكرّس قناعة بأن الاستثمار في القراءة هو استثمار بالمستقبل، وأن الصفحة التي يفتحها طفل اليوم قد تكون بداية فكرة أو مشروع أو ابتكار غداً. لذلك يظل مارس موعداً سنوياً مع الكلمة، لكنه أيضاً تعبير دائم عن إيمان عميق بأن المعرفة هي الطريق الأقصر نحو التقدّم.



