تُعدّ الملكة العربية ماوية (375–425م) واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ العربي المتأخر قبل الإسلام، وقائدة لعبت دوراً محورياً في إعادة رسم علاقة العرب بالسلطة السياسية والدينية في القرن الرابع الميلادي. فقد برزت بوصفها زعيمة قبائل عربية على تخوم الإمبراطورية البيزنطية، وقادت تمرّداً منظّماً لم يكن مجرّد مواجهة عسكرية، بل مشروعاً سياسياً سعى إلى تثبيت حضور العرب كقوة فاعلة، لا كجماعات هامشية تابعة للمركز الإمبراطوري.
ويقدّم كتاب “الملكات والأنبياء: كيف شكّلت النبيلات العربيات والرجال القديسون الوثنية والمسيحية والإسلام” للمؤرخ والأكاديمي عمران إقبال البدوي قراءة تحليلية لسيرة الملكة ماوية ضمن سياق أوسع يعيد النظر في تاريخ العرب الديني والسياسي في العصور المتأخرة. ويضع الكتاب ماوية في موقع الفاعل التاريخي، لا بوصفها استثناءً نسوياً، كما يبرز كيف استخدمت البُعد الديني أداة تفاوض سياسي، حين اشترطت تعيين أسقف عربي على قومها، في خطوة كشفت وعياً مبكراً بأهمية الشرعية الدينية في تثبيت النفوذ والسيادة.
ويشير الكتاب إلى أن معظم ما نعرفه عن ماوية وصلنا عبر مصادر تاريخية مبكرة تكاد تكون معاصرة لزمنها، مثل كتابات المؤرخ والراهب روفينوس، والتي يُرجَّح أنها استندت إلى مصدر أقدم مفقود كتبه جيلاسيوس القزيقوسي. ومع انتقال هذه الروايات إلى أيدي مؤرخين لاحقين، جرى تأويل شخصية ماوية ضمن الإطار الروماني، فصُوِّرت على أنها مسيحية رومانية، في حين يؤكد الكتاب أنها عربية، وأنها كانت على الأرجح وثنية في بداياتها، قبل أن تتقاطع سياساتها مع المسيحية بوصفها أداة حكم وتفاوض، لا بوصفها هوية دينية خالصة.
ومن خلال هذه المعالجة، يضع الكتاب ماوية في مرتبة متقدمة بين القيادات النسائية في التاريخ العربي القديم، باعتبارها أقوى امرأة في مرحلته الأخيرة بعد الملكة زنوبيا. فخلافاً للسرديات التي حصرت أدوار النساء في الهامش، تكشف تجربة ماوية عن نموذج قيادي جمع بين القوة العسكرية، والإدارة السياسية، والقدرة على فرض شروط التفاوض على قوة إمبراطورية كبرى، في مرحلة كانت تشهد تحوّلات عميقة في خرائط النفوذ والمعنى.
وتتقاطع هذه القراءة التاريخية مع مقاربات معاصرة لمسألة استعادة المرأة العربية من النسيان السردي، كما في كتاب “أخبروهم أنها هنا” لسمو الشيخة بدور القاسمي، الذي يتناول في أحد فصوله مفهوم البحث عن الملكة الغائبة في الذاكرة والأسطورة. ففي هذا العمل، تحضر فكرة المرأة التي أُقصيت من التاريخ المكتوب لكنها ظلّت حاضرة في الوعي والرمز، وهو ما يفتح أفقاً موازياً لقراءة سيرة ماوية، بوصفها نموذجاً لملكة لم تغب عن الفعل، بل غابت عن السرد، قبل أن يُعاد استحضارها بوصفها جزءاً أصيلاً من تاريخ المنطقة وهويتها العميقة.
وتكشف إعادة قراءة سيرة ماوية عن فجوة طويلة في كتابة التاريخ العربي القديم، لم تكن ناتجة عن غياب الفعل، بل عن غياب السرد المنصف. فبين المصادر القديمة التي شوّهت صورتها، والقراءات الحديثة التي تسعى لاستعادتها في سياقها الحقيقي، تبرز الملكة ماوية اليوم بوصفها نموذجاً لقيادة عربية نسائية مبكرة امتلكت الوعي والقدرة على التأثير في مسار السياسة والدين معاً.



