مع دخول فصل الشتاء، لا يتغيّر الطقس وحده، بل يتبدّل إيقاع الحياة بأكمله، فيخفّ اندفاع الأيام، وتتراجع الحاجة إلى السرعة، ويجد الإنسان نفسه أقرب إلى الداخل منه إلى الخارج. في هذا المناخ الهادئ، تتغيّر علاقتنا بالقراءة تلقائياً، فلا نقرأ لننهي كتاباً، ولا لنضيف عنواناً جديداً إلى قائمة ما قرأنا، بل نقرأ لأننا نبحث عن معنى يرافق هذا البطء، فتصبح القراءة فعلاً تأملياً، أقرب إلى الإصغاء منه إلى الاستهلاك، وأقرب إلى الحوار الهادئ منه إلى التلقّي السريع.
هذا التحوّل ينعكس بوضوح على اختيارات القرّاء في الشتاء. حيث تميل الأيدي إلى كتب السير الذاتية، واليوميات، والنصوص التأملية التي لا تُغري بالإيقاع السريع، بل تدعو إلى التمهّل. وكذلك الروايات التي تُراكم الأسئلة بدل أن تقدّم الإجابات، والكتب التي تمنح القارئ مساحة للتفكير، تجد في الشتاء جمهورها الطبيعي. حتى اللغة المفضّلة في هذا الفصل تكون أقل صخباً، وأكثر صفاءً، وكأن القارئ يبحث عن نصوص تُشبه الطقس: هادئة، وعميقة، ومفتوحة على الداخل.
ولا يرتبط هذا الميل بالكتب وحدها، بل بالحالة النفسية التي يفرضها الشتاء. فهو فصل يُعيد ترتيب علاقتنا بالذات، ويجعلنا أكثر استعداداً لمواجهة الأسئلة المؤجّلة. في هذا السياق، تتحوّل القراءة إلى فعل مصالحة مع ما لم نفهمه سابقاً، ومع الأفكار التي مررنا بها على عجل خلال العام. نقرأ في الشتاء لنفهم أنفسنا بوضوح أكبر، لا لنملأ الفراغ. ولهذا، تبدو بعض الكتب أكثر صدقاً في هذا الفصل، كأنها كُتبت لتُقرأ حين يبرد العالم من حولنا.
حتى طقوس القراءة اليومية تتبدّل في الشتاء. نعود إلى المكان نفسه، نقرأ الكتاب ذاته على مدى أيام، ونسمح لأنفسنا بالتوقّف طويلاً عند جملة واحدة. لا تحكمنا فكرة الإنجاز، بل الرغبة في المرافقة. يصبح الكتاب جزءاً من اليوم، لا مهمة يجب إنهاؤها. وربما لهذا السبب، تظل قراءات الشتاء عالقة في الذاكرة، لأنها لا ترتبط بالنص فقط، بل باللحظة التي عشناها أثناء القراءة، وبالحالة التي كنّا فيها.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار، وتتزاحم الشاشات، يمنحنا الشتاء فرصة نادرة لإعادة اكتشاف القراءة في معناها الأصيل. قراءة بلا استعجال، وبلا ضغط، وبلا هدف سوى الفهم. تجربة تبدأ من صفحة، لكنها تمتد إلى الداخل، وتترك أثراً يتجاوز الكتاب نفسه. في الشتاء، لا نقرأ أكثر بالضرورة، لكننا نقرأ بعمق أكبر، ونكتشف أن بعض الكتب لا تُفصح عن نفسها إلا حين نكون مستعدين لها… وحين يكون الفصل شتاء.



