مع نهاية عام 2025، تقف صناعة النشر عند لحظة تأمّل ومراجعة، لا بوصفها قطاعاً تقليدياً ثابتاً، بل منظومة ثقافية واقتصادية تتشكّل على إيقاع تحوّلات القراءة وأنماط استهلاك المعرفة. فالتحوّلات التي شهدها هذا العام لا تُعبّر عن قطيعة مع الكتاب، بل عن إعادة تعريف متأنّية لشكله، وحجمه، ودوره، وطريقة وصوله إلى القارئ. وفي هذا التوقيت تحديداً، يصبح من الضروري قراءة هذه التغيّرات بوصفها مؤشرات على ما هو قادم، لا مجرد ظواهر عابرة.
أحد أبرز الاتجاهات التي رسّخها عام 2025 هو صعود الإصدارات القصيرة، التي تحوّلت من خيار تجريبي إلى توجّه واضح لدى عدد متزايد من دور النشر. هذا الشكل لا يعكس تراجعاً في قيمة الكتاب، بل استجابة واعية لواقع يفرضه الوقت المحدود وتغيّر عادات القراءة. فالكتب المكثّفة، والنصوص المركّزة، والدراسات المختصرة، أثبتت قدرتها على تقديم معرفة واضحة دون إسهاب، ما جعلها أكثر انسجاماً مع إيقاع القارئ المعاصر. ومع نهاية العام، بات من الواضح أن الطول لم يعد معياراً للجودة، بل قدرة النص على تقديم قيمة حقيقية في مساحة مدروسة.
ويتقاطع هذا الاتجاه مع عودة الكتيّبات أو الكتب الصغيرة، التي استعادت حضورها خلال 2025 بوصفها صيغة وسطى بين المقال السريع والكتاب المطوّل. هذا الشكل أتاح للكتّاب معالجة فكرة واحدة بتركيز وعمق، دون الالتزام ببناء تقليدي قد لا يخدم الفكرة نفسها. كما منح دور النشر مساحة أوسع للتجريب بأقل مخاطرة إنتاجية وتسويقية، لا سيما في بيئة رقمية تميل إلى المحتوى المتخصص والقابل للنقاش. ومع نهاية العام، باتت الكتيّبات تُقرأ بوصفها أداة تفكير مرنة، لا منتجاً هامشياً.
على مستوى الأدوات، شكّل الذكاء الاصطناعي أحد أكثر ملفات 2025 حضوراً في نقاشات النشر. فاستخدامه في الترجمة الأولية، والتدقيق، وتنظيم المحتوى، أصبح جزءاً من الواقع المهني، لكنه لم يُنهِ الجدل حوله. فالسؤال الذي رافق نهاية العام لم يكن ما إذا كنا سنستخدم هذه الأدوات، بل كيف سنفعل ذلك دون الإضرار باللغة، أو الأسلوب، أو الدور التحريري الذي يشكّل جوهر صناعة الكتاب. وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى تعزيز دور المحرر البشري بوصفه صاحب القرار النهائي في المعنى والسياق.
في المقابل، حافظ الكتاب الورقي على مكانته خلال 2025، ولكن ضمن علاقة أكثر وعياً وانتقائية. فالقارئ الرقمي لم يتخلَّ عن الورق، لكنه لم يعد يقبل به بوصفه منتجاً عادياً. مع نهاية العام، بات واضحاً أن القارئ يبحث عن تجربة متكاملة تشمل جودة المحتوى، والتصميم، والطباعة، والقيمة الجمالية. هذا التحوّل دفع دور النشر إلى التركيز على الهوية والتميّز، بدل الإكثار من العناوين، في محاولة لإعادة تأكيد معنى الكتاب في زمن تتعدّد فيه البدائل.
ومع إسدال الستار على عام 2025، تشير هذه الاتجاهات إلى أن العام المقبل لن يشهد تغييرات مفاجئة بقدر ما سيشهد تعميقاً لما بدأ يتشكّل بالفعل. مزيد من التركيز على المحتوى المتخصص، وصيغ نشر مرنة، وتكامل أكثر وعياً مع الأدوات الرقمية، يقابله تشديد على القيمة التحريرية والهوية الثقافية. وفي هذا المشهد، يبدو مستقبل النشر في 2026 مرهوناً بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الابتكار والاستدامة، وبين سرعة العصر وضرورة الكتاب بوصفه مساحة للتفكير العميق لا تُختزل في الاستهلاك السريع.



