Home 5 مدونة 5 كم يبدو الأمر ترفيّا: “رسالةٌ لن تنتهي إلى فلسطين” 

كم يبدو الأمر ترفيّا: “رسالةٌ لن تنتهي إلى فلسطين” 

بواسطة | أكتوبر 23, 2023 | مدونة, مقالات و تقارير

 

يبدو الأمر ترفياً .. أن أتصل لألغي موعدي مع المعالج  النفسي في الغد.. لكن ما وجدته ترفياً أكثر بشكل يثير الشعور بالعار هو أنني سأجلس أمامه لأحدثه عن نوبة هلع مفاجئة .. بعد غياب هذا النوبات لما يزيد عن العام الآن.. وأن سببها هو شعوري المباغت أيضاً بانعدام الأمان المحيط رغم أنني كنت في منزلي الخاص وحدي أنهي فصلاً آخراً من رواية  قادمة.. والتلفاز في مكتبي المنزلي يعرض الأخبار المتواصلة.. وعندما نعني أخباراً اليوم.. فنحن لا نعني شيئاً آخر سوى فلسطين.   

 

أستطيع أن أتخيله.. وهو يعود برأسه إلى الوراء ليقول لي بأنني يجب أن أقلل تفاعلي شديد الحساسية مع المحيط الخارجي.. منها الأخبار العالمية بالطبع.. لكن هل هي أخبارٌ عالمية فعلاً ؟ ألا يعني كل موتٍ تشاهده أنك تشاهد موتك الموشك أيضاً وأنه اقتراب آخر في السلسلة لتلاشيك الخاص.. وأن كل عدالة تتجاهل أن تتحقق تعني أنك تعد لظلمك الشخصي أيضاً، يوماً ما بشكل ما.. الأمر لم يكن يوماً ذاتياً ولا شيء في الحياة اليوم هو شأن خاص.. كل فزع له أن يهدر في قلوب الجميع وكل طعنة هي في قلوبنا جميعاً هذا ما تقوله دائرة الكون الأبدية؟ 

 

بالمناسبة.. هو لا يعلم أنني لا أشاهد أبداً أي فيديو كامل يجسد الموت.. اتخذت هذا القرار بعد أن شاهدت “داعش” قبل سنوات وهي تحرق “معاذ الكساسبة” حياً،  لكنني اكتشفت مرة بعد أخرى أنني أتخيل اكتمال هذا الفيديوهات.. الأشلاء والدم والصراخ.. بشكل أفظع، لا أريد لروحي أن تعتاد على مشاهدة الموت كأنها تشاهد مشهداً عادياً من تلفزيون الواقع غير السوي.. بلا اكتراث.. ولا أريد حتماً أن أعبركِ يوما ما .. بلا اكتراث.. لا أريد أن يتأكد موتي.   

لدي غضب ضروري.. يقول لي دائما لأتصالح مع فكرة الغضب التي كنت أظنها على الأغلب شكلاً من التعبير زائداً عن الحاجة، وأفكر الآن بشكل ملح وأنا أمزق غاضبة صفحة من مفكرتي، إن كان سيكفيكِ هذا الغضب الذي يتصاعد، غضبنا الهامشي، نحنُ كومبارسات مدن الحداثة الكبرى، كيف لنا أن ننقذ أطفالكِ.. أطفالنا الهلعين.. الذي يتوزع هلعهم على العالم أجمع، ويتقاسم دمهم أيضاً هذا العالم الهائل الذي كلما تضخمت حضارته، كلما تعاظم عجزه.. وكلما ويال المفارقة.. تراجعت إنسانيته التي ما فتئ يشيد المدن لكي يؤكدها.   

 

لن أتحدث عن فلسطين الحق والذاكرة فهي من بديهيات طفولتي وصباي، لكنني سأفكر طويلاً وسأدعوكم للتفكير معي بكيفية تصاعد التعقيدات حولنا ليصبح ذكر فلسطين في مدن العالم اليوم.. خطاً أحمر، تابو.. أو خطيئة.. وكم يشبه الأمر تلك اللحظة المهولة والدقيقة التي تحولت فيها حواء التاريخية – الأم في الأسطورة البشرية من خصوبة وحب وامتداد إلى لعنة؟ 

 

أضع شاشة سوداء كرد على مجزرة المشفى، يبدو كل كلام في معنى الحداد عنكِ، مجرد نفاق آخر. 

لم أزرك يوماً، لم يحدث هذا ولو حتى في الحلم، ومن الغريب أنني كلما تحدث عنك فإنني أبقى عاجزة عن رسم صورة ذهنية لك كموقع جغرافي بتضاريس جيولوجية واضحة، هناك فقط صورة لسيدة قمحية بثوب أسود، أظنها أنت، وهناك أيضاً الرائحة القوية للزعتر التي تحيلني إليكِ كلما اخترت ذلك المقهى الفلسطيني للكتابة.. وأراك أحياناً في صوت “مي” مالكة المكان وهي تخطئ دائماً في اسمي لتسميني “سهيلة” لأشعر بالاتساع.. دون أن أصححه.. أفكر الآن أن الأمر سيبقى دائماً هكذا، لأنكِ الفكرة والمعنى في ظل تفكك الكثير من المعان الكبرى، ولأنك الفكرة السيدة.. الأكبر من اليأس والموت والاحتراق.. حواء التاريخية وهي تتمرد على اللعنة. 

كنت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عامين.. ولسبب ما.. تحدثنا عنكِ.. وكان من الغريب.. ذلك الصمت الهائل عندما قلتُ أننا وزميلٌ جزائري أننا نرى في الأمر احتلالاً ممتداً.. على رغم كل التحولات التي مرت خلال ما يزيد عن السبعين عاماً الماضية، كانوا مرتبكين قليلاً من صراحتنا وكنت في حينها أفهم بصراحةٍ أيضاً، كم أنك ترسخت في أذهانهم باعتبارك الخطيئة العصية على الفهم والتجاوز.. أفكر بلعنة حواء من جديد، وأشفق علينا من خلالك.  

كل شيء هو سياسة، يا أنت المتشاغل بعناد عن الألم بصورة لن يكترث بها أحد لفنجان قهوتك أو مناسبة تحضرها دون أن ينتبه أحدٌ لوجودك.. هامشيٌ أنت وفي هامشيتكَ تلك كم أنت كارثي ووحشي في سيرك الحضارة المفترض.  

لدي أسئلة دائمة عن الوعي، لدي أسئلةٌ دائمة عن التفكير، لدي أسئلة متجذرة عن الموت والهشاشة، ولدي أسئلة هائلة اليوم.. ومرعبة.. عن شكل الموت لو تغيرت موازيين القوة في العالم مع بقاء الأجيال الجديدة على الجهل الذي ينساق لصوت القوة فقط، ماذا سيحدث لو … من سيحمي قيمة المكان الناشئ حولي والذي أحب بقدر حبي لكِ، من سيدفع ثمن هذه السيولة المربكة في تكريس المفاهيم والقيم والتفكير في كافة الأبعاد وأعمقها؟ مع تقادم الزمن والمكان والناس.؟ 

أرفض تصديق أعداد القتلى، أرفض أن أصدق أن تضمحل حياة بمثل هذه الطريقة، أرفض أن أصدق أن هناك موتٌ هائل يتحقق بضغطة زر، ولعلك ترفضين تصديق ذلك أيضاً، لعلك ترفضين كل هذا الرماد.. ترفضين اليأس لأنه سيعني شتاتك الأبدي.. وترفضيننا ونحن نحصي قتلاك كأرقام.. لأنهم الأحياء أبداً في صميمك.. بأسمائهم الكاملة وأدق تفاصيل ملامحهم.. روائحهم وأسماء عشاقهم. 

كم يبدو الأمر ترفياً، وأنا أجلس الآن لأكاتبك عن هلعي الضئيلُ أمام هلعك، وغضبي الذي لا يساوي شيئاً أمام نيرانك، وعن أسئلتي في وقت ذوبان الأسئلة.. يبدو الأمر ترفياً ومخجلاً.. لكنني أريد أن أتمسك معك.. بترف هذه الحياة.. أريد أن أقاسمك إياه.. فبهذا أرعاكِ في روحي.. وأحفظك في المعنى الذي سيبقى مرتبطاً بك.

 

أخبار حديثة

06أبريل
الاتحاد الدولي للناشرين يعلن القائمة القصيرة لجائزة الابتكار في النشر 2026

الاتحاد الدولي للناشرين يعلن القائمة القصيرة لجائزة الابتكار في النشر 2026

أعلن الاتحاد الدولي للناشرين عن القائمة القصيرة لجائزة الابتكار في النشر لعام 2026، إحدى أبرز الجوائز العالمية التي تُعنى بتكريم المبادرات النوعية القادرة على تطوير صناعة النشر وتعزيز قدرتها على مواكبة التحوّلات المتسارعة.   وتُمنح الجائزة كل عامين للشركات والمجموعات والأفراد الذين يقدمون حلولاً أو منصات أو ممارسات مبتكرة تُسهم في تمكين قطاع النشر من […]

06أبريل
بطريق “بنغوين” يعود للحياة هوية بصرية تتجدد بعد 90 عاماً

بطريق “بنغوين” يعود للحياة هوية بصرية تتجدد بعد 90 عاماً

يعد شعار البطريق المرتبط بدار النشر الشهيرة “بنغوين راندوم هاوس” من أكثر الرموز حضوراً في عالم الكتاب. ومنذ ظهوره لأول مرة عام 1935، لم يكن مجرد رسم بسيط، بل تحوّل مع الوقت إلى جزء من هوية الدار وذاكرتها البصرية. ومع مرور العقود، أعيد تقديم هذا الرمز بأساليب مختلفة، لكنه ظل محتفظاً بجوهره، ما جعله علامة […]

02أبريل
“مجموعة كلمات” تتخطى 1000 كتاب للأطفال

“مجموعة كلمات” تتخطى 1000 كتاب للأطفال

تواصل “مجموعة كلمات” التي تأسست في الشارقة عام 2007، توسيع حضور أدب الطفل العربي على مستوى العالم، حيث قادت جهوداً نوعية في تطوير صناعة نشر كتب الأطفال وإيصال القصص العربية إلى قراء جدد في لغات وأسواق متعددة، من خلال أكثر 1000 عنوان وشبكة توزيع تضم أكثر من 130 موزعاً حول العالم.   وتعزز سجل إنجازات […]

Related Posts

“عالم المعرفة”… إصدارات تتجاوز 40 ألف نسخة في طبعتها الأولى

“عالم المعرفة”… إصدارات تتجاوز 40 ألف نسخة في طبعتها الأولى

منذ صدور عددها الأول في يناير 1978، لم تكن سلسلة "عالم المعرفة" التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت، مجرد مطبوعة شهرية، بل مشروعاً ثقافياً عربياً طموحاً أعاد تعريف العلاقة بين القارئ والمعرفة، حيث جاءت السلسلة في لحظة كانت فيها الحاجة ماسة...

الأمومة تعيد تشكيل ملامح صوت الكاتبات

الأمومة تعيد تشكيل ملامح صوت الكاتبات

حين تدخل الأمومة إلى حياة الكاتبة، لا تضيف موضوعاً جديداً فحسب، بل تعيد تشكيل علاقتها باللغة نفسها، حيث يتبدل إيقاع الكتابة، وتتغيّر أولويات السرد، ويصبح الزمن أكثر كثافة وأقل اتساعاً. إذ لم تعد الكتابة فعلاً حراً بالكامل، بل مساحة تُنتزع بين مسؤوليات يومية دقيقة، وهو...

الفخر والبطولة في الأدب الإماراتي… حين تتحوّل الكلمة إلى ذاكرة وطن

الفخر والبطولة في الأدب الإماراتي… حين تتحوّل الكلمة إلى ذاكرة وطن

في الأدب الإماراتي، لا يظهر الفخر بوصفه شعوراً عابراً، بل قيمة راسخة تتجذر في الذاكرة الجماعية للمجتمع. فمنذ بدايات الشعر الشعبي والنبطي، عبّر الشعراء عن اعتزازهم بالأرض والقبيلة والقيم التي تجمع الناس. وكان الشعر الوسيلة الأبرز لتوثيق الحياة اليومية ومواقف الشجاعة...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this