بالتزامن مع ذكرى ميلاده في السادس من يناير، يعود اسم جبران خليل جبران إلى الأضواء، لا بوصفه كاتباً يُقرأ ضمن تجربة متكاملة، بل كحضور متجدّد في الفضاء الرقمي، فهو حاضر بقوّة اليوم، لكن حضوره يختلف جذرياً عمّا عرفه قرّاء القرن العشرين، إذ لم يعد يُستدعى عبر الكتب وحدها، بل عبر جمل قصيرة، وصور، واقتباسات سريعة تنتقل بين المنصّات. هذا التحوّل يفرض سؤالاً مشروعاً: هل ما زال جبران كاتباً معاصراً، أم أنه يعيش في الذاكرة الجماعية بفضل شذرات لغوية منفصلة عن نصوصها الأصلية؟
في منصّات التواصل الاجتماعي، يبدو جبران وكأنه كاتب صُمّم لعصر الاقتباس السريع. لغته المكثّفة، ونبرته التأملية، وقدرته على صياغة الحكمة في جملة واحدة، جعلته مادة مثالية للانتشار الرقمي. غير أن هذا الانتشار، على اتساعه، لا يعني بالضرورة قراءة حقيقية لأعماله. فكثيرون يلتقون بجبران للمرّة الأولى عبر صورة تحمل توقيعه، دون معرفة السياق الفكري أو السردي الذي وُلدت فيه تلك العبارة، ما يحوّل النص من تجربة أدبية إلى منتج بصري قابل للتداول.
وهنا يبرز إشكال اقتطاع النصوص من سياقها، وهو إشكال لا يخص جبران وحده، لكنه يبدو أكثر حدّة في حالته. فجمل جبران، حين تُفصل عن بنيتها الكاملة، تفقد أحياناً توتّرها الداخلي، أو بُعدها الفلسفي، لتتحوّل إلى حكمة عامة قابلة لأي تأويل. هذا الاستخدام الانتقائي يعيد تشكيل صورة الكاتب في أذهان القرّاء الجدد، ويختزل مشروعه الأدبي الواسع في بُعد واحد، غالباً روحي أو عاطفي، على حساب تعقيداته الفكرية والإنسانية.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذا التحوّل بوصفه تراجعاً بالضرورة. فوسائل التواصل، رغم اختزالها، أعادت جبران إلى دائرة الاهتمام لدى أجيال ربما لم تكن لتلتقي به عبر الكتاب الورقي. فكثير من القرّاء الشباب يصلون إلى أعماله الكاملة بعد اقتباس واحد أثار فضولهم، ما يجعل المنصّات الرقمية بوابة عبور، لا محطة نهائية. هنا يتحوّل السؤال من إدانة الظاهرة إلى فهمها: كيف يمكن للنشر الثقافي أن يستثمر هذا الحضور دون أن يفرّغه من مضمونه؟
وفي النهاية، يبدو جبران اليوم كاتباً يعيش بين زمنين: زمن الكتاب وزمن الشاشة. هو ليس أسير الاقتباسات وحدها، ولا حاضراً بالكامل كنصّ مقروء بعمق، بل في منطقة وسطى تعكس تحوّل علاقتنا بالأدب ذاته. وفي ذكرى ميلاده، لا تبدو أهميّة السؤال فيما إذا كان جبران معاصراً أم لا، بل في قدرتنا على إعادة قراءته قراءة جديدة، تحترم روح النص، وتفهم شروط العصر، وتعيد وصل ما انقطع بين الأدب بوصفه تجربة، والقراءة بوصفها فعلاً إنسانياً حياً.



