Home 5 مقالات و تقارير 5 ظلت أهدافاً عسكرية على مر الحضارات – تاريخ المكتبات: صراع من أجل المعرفة

ظلت أهدافاً عسكرية على مر الحضارات – تاريخ المكتبات: صراع من أجل المعرفة

بواسطة | يونيو 4, 2017 | مقالات و تقارير

يروي تاريخ المكتبات عبر العصور، واحدة من الحكايات التي توثق لتطوّر المعرفة الإنسانية منذ اكتشاف الكتابة في حضارة ما بين النهرين، إلى اليوم، فيرتبط تاريخها، بتاريخ الوعي الحضاري، وتراكم المعارف، التي ظلت تتنامى وتُنقل من ثقافة إلى أخرى لنصل إلى ما نحن اليوم عليه من علم ومعرفة.

تعود حكاية نشوء المكتبات – وفق “الموسوعة العربية” – إلى ما كشفته الحفريات الأثرية الموجودة في بلاد ما بين النهرين، ووادي النيل، فتشير الدراسات إلى أن السومريين كانوا من أوائل الذين أنشأوا المكتبات، وكانوا يطلقون عليها “بيت اللوحات الكبير”، لأنها مليئة بالألواح الطينية، فيما شكلت لدى الحضارة الفرعونية مكاناً لتغذية الروح، فأطلقوا عليها اسم “مكان إنعاش الروح”، و”قاعة كتابات مصر”.

يكشف هذا التاريخ المبكر للمكتبات، عن علاقة جذرية بين مفهوم الحضارة، وحضور المكتبة في المجتمعات القديمة، فإنشاء المكتبات يعني أن الحضارات وجدت وقدمت ما يمكن أن ترويه لغيرها من الحضارات المقبلة، وبالتالي بات من حقها أن تشكل علامة فارقة في التاريخ الإنساني. وليس أدل على ذلك من أن الإنسانية تدين حتى اليوم للسومريين بابتكارهم الكتابة، ولا زالت علوم الفراعنة حتى اليوم محل دراسة لفك لغزها، والاستفادة منها.

 

الحضارة.. سيرة تاريخية للمكتبات

تتجلّى العلاقة بين الحضارة والمكتبات بالعودة إلى سيرة أقدم المكتبات في التاريخ الإنساني، فالوثائق التاريخية تشير إلى عددٍ من المكتبات الموجودة قبل الميلاد، والأخرى في القرنين الأول والثاني الميلادي، فتسرد حكاية مكتبة “آشوربانيبال” (627 -668 ق.م)، التي “تنسب إلى آخر ملك من الإمبراطورية الآشورية في العراق وأشهرهم؛ آشوربانيبال، وهي عبارة عن آلاف الألواح الطينية والشظايا التي تحتوي على نصوص متنوعة من القرن السابع قبل الميلاد، وكان من بين مقتنياتها ملحمة جلجامش الشهيرة”.

أما الحكاية الثانية فترويها مكتبة الإسكندرية القديمة (285ـ247 ق.م)، التي يختلف المؤرخون حول الشخص الذي بناها فهناك من يقول “إن الإسكندر وضعها في تخطيطه عند بناء الإسكندرية، وهو صاحب فكرة بنائها، والبعض يقول إن بطليموس الأول هو من بناها، فيما يذهب البعض الآخر إلى أن تأسيسها تم على يد بطليموس الثاني باعتبار أنه من أكملها، فبطلميوس الأول هو الذي أمر بتأسيس المكتبة وتنظيمها على نفقته، ثم أكمل ذلك خلفه بطليموس الثاني”.

وتوثق مكتبة بيرغامس (197-159 ق.م)، لواحدة من أبرز محطات العصر الهيلنستي، إذ تروي سيرة مدينة برغامس أو بيرغامون التي تعد من أهم المدن في الإمبراطورية الرومانية القديمة، وتقع في الأناضول (تركيا حالياً)، حيث جمعت في خزاناتها 200 ألف مجلد، وتقول الروايات التاريخية أن المكتبة “كانت تحتوي على غرفة القراءة الرئيسية الكبرى، ينتصب في منتصفها تمثال “آثينا” آلهة الحكمة، وكانت تضم عدداً من الرفوف والجدران التي تسمح بتدوير الهواء لترطيب الجو”.

 

الحروب والصراعات.. مكتبات في عداد المحروقين

وضع هذا الارتباط بين المعرفة والحضارة، المكتبات ضمن البنى المستهدفة في الحروب والصراعات، فلم تكن الحروب الكبرى تسعى لعد الضحايا، بقدر ما كانت تسعى لهدم ذكر الحضارات المنافسة على تصدّر كتب التاريخ، فكانت الشواهد المعمارية، والمكتبات، والقصور، والقلاع، هي التي تحدد حجم الخسارات، وترفع راية المنتصر في المعارك.

لذلك يروي تاريخ هدم المكتبات وحرقها، مجازر كثيرة ارتكبت بحق المعرفة والعلم، فتوثق البحوث والدراسات لقائمة طويلة من المكتبات المهدمة والمحترقة في العصرين الحديث والقديم، إذ احترقت في عام 473م آخر المكتبات الكبيرة بالعالم القديم مع بداية الحكم المسيحي، حيث قاموا بحرق مكتبة القسطنطينية في عاصمة الدولة البيزنطية، وفقدت المكتبة 120 ألف مخطوطة بعدما كانت حافظًا للمعرفة القديمة لليونان والإغريق لأكثر من ألف عام، حتى نالت منها الحروب.

وانتهت سيرة “مكتبة بيت الحكمة” التي “أسسها هارون الرشيد في بغداد ورعاها ابنه المأمون لتكون مركزًا للفكر العربي الإسلامي، وكانت تضم كتب التراث الإسلامي والسير والتراجم، وكتب الكيمياء والطب والرياضيات والفلسفة والأدب، واشتملت على مرصد فلكيّ للتحقيق في كشوف بطليموس، وأقام فيها مجموعة من المترجمين لنقل العلوم”.

تدمرت “بيت الحكمة” على أيدي المغول عند اجتياحهم بغداد، وألقوا بجميع محتوياتها وأكثر من 300 ألف كتاب في نهر دجلة، حتى حوّله مداد الكتب للون الأسود، هذا إلى جانب 36 مكتبة عامة أخرى ببغداد تم إغراقها، في النهر، ليحقق المغول بذلك إبادة لمنجز معرفي كبير حققه العقل العربي الإسلامي.

الأمر ذاته ظل يتكرر على مر العصور، فما تسرده حكاية المكتبة الشعبية في صربيا، يُعد وجهاً جديداً لتاريخ حرق المكتبات وهدم وجودها، حيث أقدمت قوات الرايخ الهتلرية على تدمير المكتبة خلال الحرب العالمية الثانية عام 1941، فقصفها الجيش بالقنابل الحارقة لتكون الخسائر كبيرة للحد الذي يعد هدم المكتبة مقابلاً لاحتلال صربيا كاملة، فنالت نيران هتلر من حوالى 350 ألف كتاب، إضافة إلى  مدونات من القرون الوسطى، ومجموعة من المخطوطات التركية، وأكثر من 200 كتاب قديم من القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر، وخرائط قديمة، ولوحات فنية، وصحف، وكافة الكتب المطبوعة في صربيا والبلدان المجاورة منذ عام 1832، لتقدر خسارتها بأكثر من 2,6 مليون كتاب.

يثير كل هذا التاريخ تساؤلات عديدة حول واقع المكتبات الكبرى في العالم ومستقبلها، فهل يمكن لكل ما يزخر به العالم من مكتبات أن ينتهي بصراع أو حرب عابرة؟ وكم ستكون خسارات الإنسانية لو تدمّرت مكتبات مثل مكتبة الكونغرس، والمكتبة البريطانية، ومكتبة شتوتغارت الألمانية؟ وما هي الحلول التي تقدمها المنظمات الدولية لحفظ المكتبات في العالم؟

 

حماية الممتلكات الثقافية.. الخوف على المعرفة

تكاد تكون البشرية بعد كل ما خاضته من اقتتال، أكثر وعياً بأهمية التراث الثقافي، والمعرفة الإنسانية، فلا تتوقف المنظمات الدولية عن تنظيم المؤتمرات الداعية إلى حفظ الذاكرة الإنسانية، واعتبار التراث الثقافي لأي حضارة جزءاً من قائمة التراث العالمي الذي لا ينبغي المساس به، وتجرّم الجهات التي تعتدي عليه.

وفي 14 أيار/ مايو 1954، أُطلقت “اتفاقية لاهاي” لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، لتستكمل عدداً من الاتفاقيات، وتشكل مرحلة جديدة بعد ما شهده العالم في الحرب العالمية الثانية، فنصت على عدد من البنود، منها ما له علاقة باحترام المعالم الثقافية، وحمايتها، وصيانتها، في حالات السلم، والنزاع، والاحتلال، لتشكل تلك البنود فرصة لحماية التاريخ المعرفي للإنسانية من الزوال، وتظل المكتبات خزانة العلم، وذاكرة التطور البشري.

أخبار حديثة

21مايو
رواية “يوميات تايوان” تحقق إنجازًا تاريخيًا بجائزة البوكر 2026

رواية “يوميات تايوان” تحقق إنجازًا تاريخيًا بجائزة البوكر 2026

في لحظة أدبية وُصفت بأنها واحدة من أبرز محطات الأدب العالمي المترجم خلال السنوات الأخيرة، فازت الكاتبة التايوانية يانغ شوانغ-زي والمترجمة التايوانية-الأمريكية لين كينغ بجائزة البوكر الدولية لعام 2026 عن رواية “يوميات تايوان” Taiwan Travelogue، لتصبح أول رواية مكتوبة باللغة الصينية المندرينية تنال هذه الجائزة المرموقة. وجاء الإعلان خلال حفل أقيم بمتحف “تيت مودرن” في […]

18مايو
أكبر نسخة بتاريخ معرض الدوحة الدولي للكتاب 2026

أكبر نسخة بتاريخ معرض الدوحة الدولي للكتاب 2026

 يشهد معرض الدوحة الدولي للكتاب الذي تتواصل فعاليات دورته الخامسة والثلاثين حتى 23 مايو 2026، حضوراً ثقافياً واسعاً يؤكد مكانته كواحد من أبرز معارض الكتب في المنطقة، وسط مشاركة قياسية تعد الأكبر في تاريخ المعرض. وتضم هذه النسخة أكثر من 520 دار نشر من 37 دولة، توزعت عبر أكثر من 910 أجنحة، في مشهد يعكس […]

15مايو
1.34  مليون زائر لمعرض بوينس آيرس للكتاب

1.34  مليون زائر لمعرض بوينس آيرس للكتاب

شهدت الدورة الخمسون من معرض بوينس آيرس الدولي للكتاب حضوراً جماهيرياً غير مسبوق، بعدما استقطب الحدث الذي اختتم في 11 مايو 2026، نحو 1.34 مليون زائر، بزيادة بلغت 8% مقارنة بالعام الماضي، في واحدة من أبرز الفعاليات الثقافية في أمريكا اللاتينية. ورغم الأجواء الاحتفالية التي رافقت المناسبة، أظهرت مؤشرات السوق تبايناً واضحاً بين حجم الإقبال […]

Related Posts

مكتبة زالوسكي في وارسو… الكتب تُحرق لكن الأفكار لا تموت

مكتبة زالوسكي في وارسو… الكتب تُحرق لكن الأفكار لا تموت

تعد مكتبة زالوسكي في العاصمة البولندية وارسو، واحدة من أقدم المكتبات العام في أوروبا، حيث يرجع تاريخ تأسيسها إلى الفترة ما بين عاميّ 1747 و1795، وهي فترة كانت الكتب فيها تعامل ككنوز خاصة، قبل أن يقرر رجلان أن يفتحا أبواب هذا الكنز للناس. وهكذا بدأت الحكاية، لا كحدث...

صناعة النشر واستراتيجيات التكيّف مع عالم غير مستقر

صناعة النشر واستراتيجيات التكيّف مع عالم غير مستقر

في زمن تتشابك فيه الأزمات وتتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، لم تعد صناعة النشر بمنأى عن اضطرابات العالم، بل أصبحت في قلبها. فارتفاع أسعار الورق والحبر، وتذبذب سلاسل التوريد، وتعقيدات الشحن العابرة للحدود، أعادت تشكيل المشهد المهني للناشرين، ودفعتهم إلى إعادة التفكير...

شارع الكتب في فيتنام يجذب الاهتمام العالمي

شارع الكتب في فيتنام يجذب الاهتمام العالمي

في قلب هو تشي منه، أكبر مدن فيتنام، وعلى مقربة من معلمين تاريخيين بارزين هما كاتدرائية سايغون نوتردام ومكتب بريد سايغون المركزي، يبرز شارع "نغوين فان بينه" كواحد من أبرز النماذج الثقافية الحضرية التي نجحت في ترسيخ عادة القراءة ضمن الحياة اليومية. وعلى مدى أكثر من عقد،...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this