حين يُذكر الأدب الإفريقي المعاصر، تتجه الأنظار غالباً إلى الكُتّاب والروايات التي حققت انتشاراً عالمياً، لكن خلف هذا الحضور تقف نساء لعبن دوراً حاسماً في إعادة بناء صناعة النشر بنيجيريا. ففي بلد كان يعاني لسنوات من محدودية البنية التحتية للكتاب وهيمنة الكتب التعليمية على السوق، برزت ناشرات ومؤسسات قررن الاستثمار في الكتاب بوصفه أداة للتغيير الثقافي والاجتماعي. ومن بين هذه التجارب تبرز الدكتورة بيبي بكاري يوسف، التي شاركت في تأسيس دار “كاسافا ريبابلك” للنشر عام 2006 بهدف تقديم قصص يرويها الأفارقة لأنفسهم، لتتحوّل الدار لاحقاً إلى واحدة من أبرز دور النشر المستقلة في القارة وتنشر أعمالاً تُرجمت إلى عشرات اللغات حول العالم.
ولم يقتصر تأثير المرأة النيجيرية على إدارة دور النشر، بل امتد إلى بناء منظومة ثقافية كاملة حول الكتاب والقراءة. وتُعد الكاتبة والناشرة لولا شونيين مثالاً بارزاً على ذلك. فإلى جانب أعمالها الأدبية، أسست مهرجاناً أدبياً أصبح من أهم المنصات الثقافية في إفريقيا، كما أطلقت مبادرات لدعم كُتّاب ورسامي ومحرري كتب الأطفال. وجاءت هذه الجهود استجابة لمشكلة حقيقية تتمثل في ندرة الكتب التي تعكس حياة الأطفال الأفارقة وتجاربهم اليومية. وقد وضعت شونيين هدفاً طموحاً يتمثل في دعم نشر 100 كتاب للأطفال بحلول عام 2027، انطلاقاً من قناعتها بأن الطفل يحتاج إلى أن يرى نفسه وقصته وثقافته داخل الكتاب الذي يقرأه.
ومن أكثر القصص تأثيراً في هذا التحوّل تجربة الكاتبة تونيي فالوغي-إيكيزي، التي بدأت رحلتها عندما عجزت عن العثور على كتاب يشرح لابنها معنى متلازمة داون التي تعاني منها شقيقته. فكتبت بنفسها قصة مستوحاة من حياة طفليها وطبعَت نسختين فقط للاستخدام العائلي. غير أن القصة لاقت صدى واسعاً بين الأسر النيجيرية، ما دفعها إلى تطويرها إلى سلسلة كتب كاملة. وبعد سنوات، تبنت إحدى دور النشر المحلية أعمالها، لتصل إلى آلاف الأطفال وتفتح باباً جديداً أمام تمثيل الأطفال ذوي الإعاقات الخاصة في الأدب الإفريقي. وتكشف هذه التجربة كيف تحوّلت قصة شخصية إلى مشروع ثقافي غيّر نظرة كثيرين إلى التنوّع والشمول في أدب الأطفال.
وتعود جذور هذا الحضور النسائي في النشر النيجيري إلى عقود سابقة، عندما أسست الكاتبة فلورا نوابا في سبعينيات القرن الماضي داراً لنشر أعمال النساء والكتب الموجهة للأطفال، في خطوة كانت سابقة لعصرها في إفريقيا. وقد سعت من خلال مشروعها إلى تقديم صورة أكثر واقعية عن حياة المرأة النيجيرية واستقلالها الاقتصادي والاجتماعي. واليوم، تُنظر إلى تجربتها بوصفها إحدى اللبنات الأولى التي مهدت الطريق أمام أجيال جديدة من الناشرات والكاتبات. وبين تجربة فلورا نوابا الرائدة، ومبادرات بيبي بكاري يوسف، ومشاريع لولا شونيين، تتشكّل قصة نيجيريا كواحدة من أكثر التجارب إلهاماً في توظيف النشر كوسيلة لتمكين المرأة وصناعة التغيير الثقافي.



