Home 5 مقالات و تقارير 5 السودان.. كتب عتيقة يأكلها الزمن

السودان.. كتب عتيقة يأكلها الزمن

بواسطة | مايو 30, 2017 | مقالات و تقارير

الخرطوم – ياسر فائز

 

أثناء بحثي عن مراجع ومصادر عن تاريخ السودان الحديث، قصدت أحد الشوارع الداخلية للخرطوم شرق، قريبًا من مدرستَيّ “الاتحاد” و”كمبوني” العريقتين، حيث الورّاق عمر دفع الله يفرش كتبه على الرصيف ويجلس في ظل شجرة على مقعد منسوج من حبال البلاستيك، يتحلّق حوله عادة باحثون وطلاب وأكاديميون وكتّاب، يجلسون أيضاً على مقاعد منسوجة من حبال البلاستيك، يتبادلون معلومات عن الكتب ويستدّلون بإرشادات دفع الله عن أهم وأفضل الكتب.

أخرج لي عمر كتاباً عمره أكثر من 80 عاماً بنسخته الأصلية وفي طبعته الأولى؛ واجهت صعوبة بالغة في تصفّح الكتاب وأطراف صفحاته تتكسر بين يديَّ مهما حاولت أن أكون رقيقاً معها ورفيقاً بها، وأصابني قلق حقيقي في الحفاظ على الكتاب الذي لا أعرف أحداً يملكه غيري!

عمر أحد قلائل الوراقين الذين يحتفظون بكتب قديمة ونادرة ويوفرون المطلوب منها، وقد جَمع ما بحوزته بخبرته ودرايته في  الكتب، إذ حصل على بعضها من مكتبات اشتراها من ورثة المالك والمقتني الأصلي للكتاب، فكثيرًا ما يوّد الورثة التخلّص من هذه الكتب، وأحياناً يرغبون في استبدالها بكتب أخرى، هم يعتقدون أنهم كسبوا بالحصول على كتب جديدة، فيما عمر أيضاً يعتقد أنه كسب بحصوله على كتب عتيقة، خاصة أن قيمة الكتاب لا تقتصر على محتواه ومادته بل تمتد أيضاً إلى عمره وإلى المطابع التي طبع فيها.

ويحرص عمر على الحصول على كتب المطابع القديمة حتى لو لم تكن عنده خلفية عن الكتاب، حيث كانت تحتل المطابع مكانة معرفية قبل عقود من الآن، مثل مطبعة “ماكرو كوديل” الإنجليزية وهي من أوائل المطابع في السودان، وكذلك الإصدارات القديمة لمطبعة “التمدّن”، وعبر شبكة علاقاته وصداقاته القوية مع عدد من الأكاديميين والباحثين والكتاب، طلب عمر من بعضهم التنازل عن هذه الكتب للصالح العام، بمقابل مادي، وفق اتفاقات وإقرارات معينة، حيث يقوم عمر ببيعها أو إقراضها، ضمن دائرة المهتمين بالكتب وباشتراط التعاون مع الباحثين الآخرين في حال احتياجهم للكتاب.

يقول عمر دفع الله: “أفعل ذلك لأنني لست بائع كتب فقط، فلديّ رسالة.. فأن تكون وراقاً يعني أن تقدم خدمة ثقافية ولا تنحصر فقط في تحقيق الربح المادي”. وهو يرفض بيع هذه الكتب لأيّ كان بل يحتفظ بها لمجموعة صغيرة من المهتمين والباحثين الجادين الذي يعرفهم بصورة شخصية، وكثيرًا ما يواجه تنازعًا داخليًا في أن يبيع الكتاب أو أن يحتفظ به، فبعضها كتب عزيزة جدًا عليه.

 الكتب النادرة تتناقص بسرعة

لدى عمر دفع الله كتب عتيقة معظمها باللغتين العربية الإنجليزية لا يعرضها مع بقية الكتب بل يحفظها في مكان خاص، كشف لي منها بعض العناوين: “الصراع المسلح على الوحدة في السودان” لمحمد عبد الرحيم، والصادر عام 1936، و”تأسيس مدينة الخرطوم والمهدية” لسليمان كشة الصادر في ثلاثينيات القرن الماضي،  و The Fung Kingdomأو “مملكة الفونج” لاوسبرت كرافورد O. G. S. Grawford  الصادر عام 1951، وThe Nile أو “النيل” لإليوت إليسوفون Eliot Elisofon الصادر عام 1964  وغيرها من الكتب، التي يقوم عمر بترميم الممكن منها، دون المساس بموادها الأصلية، ويحفظها بعيداً عن التأثيرات التي يمكن أن تتلفها، إلا أنه فعلاً يحصل على بعضها وقد تعرضت للحرارة والضوء والأتربة بكثافة تجعله يواجه صعوبة في الحفاظ على الكتاب.

يقول عمر: “الكتب المتوفرة في السودان لا يتجاوز تاريخ طباعتها الثلاثين عاماً ويمكن الحصول عليها بقليل من البحث، ومعظمها من الكتب التي طبعتها المؤسسات الرسمية مثل دار نشر جامعة الخرطوم، أو وزارة الثقافة، وحتى هذه الكتب عددها في تناقص كبير، وسيكون صعبًا في الأعوام المقبلة الحصول عليها إلا في دار الوثائق القومية؛ وهي المؤسسة التي لا تسمح بالاقتناء أو اقتراض الكتب، باعتبارها مدونة لدى المؤسسة كوثائق قومية.

خلال سنوات عمل عمر في تجارة الكتب كان شاهداً على تلاشي واختفاء عدد من الكتب المهمة والنادرة، خاصة تلك التي كتبها مؤلفون سودانيون، أو التي كتبت عن تاريخ السودان في العموم، أو التي كتبت عن لحظات غاية في الأهمية من تاريخ السودان الحديث، خاصة ما قبل الاستقلال في العام 1956، كذلك في حقبة الاستقلال نفسها وإن كان بدرجة أقل.

يضيف عمر: “لا مفر من تبنّي الدولة مشاريع إحياء هذه الكتب وإعادة طباعتها وتوفيرها على أوسع نطاق أو على الأقل توفيرها للمؤسسات البحثية والأكاديمية التي تعاني نقصًا مريعًا في المصادر القديمة التي تتصل بالسودان”.

من ناحيته يقول الباحث الطيب أحمد: “إن المحاولات المحدودة لإعادة إحياء وطبع ونشر بعض الكتب تصطدم في أحيان كثيرة بتمنّع ورثة المؤلفين الذين لا يتوافقون على قرار السماح بإعادة النشر، على الرغم من أن قانون الملكية الفكرية يسمح بتدخل الجهات الحكومية الرسمية تقديرًا للمصلحة العامة لصالح نشر كتاب ما، نظرًا لضرورة الأمر، لكن واقعيًا لم تحدث واقعة مماثلة في السودان وما زال عدد من الكتب حبيس تمنع الورثة، كما أنه يتم إهمال الكتب التي تجاوز موت مؤلفيها الخمسين عاماً، حيث يسمح قانون الملكية الفكرية بإعادة نشرها، لكن الدولة تفتقد إلى مشاريع وخطط استراتيجية بهذا الخصوص لافتقاد الحساسية تجاه التراث والتاريخ”.

السودان بدون مكتبة قومية!

يفتقد السودان إلى مكتبة قومية جامعة، كما تعاني مكتبات الجامعات فقرًا في الكتب القديمة، وإن توفرت فهي تقتصر على طلاب الدراسات العليا والباحثين والأكاديميين، ما يحرم قطاعًا واسعًا من القراء ليس فقط من الاطلاع على هذه الكتب بل أيضاً المعرفة بوجودها فعليًا.

وخلال حقبة الاحتلال الإنجليزي والأعوام التي تبعته، صدر عدد من الكتب للمؤلفين الإنجليز وغيرهم من الأجانب الذين تواجدوا في حقبة الاحتلال، كما صدر عدد من الكتب عن السودان بناءً على البحوث الأثرية والوثائق البريطانية القديمة، لكن معظم هذه الكتب تلاشت من السودان سريعًا. إضافة إلى أن عدداً لا يستهان به من كتب المؤرخين السودانيين اختفت تمامًا إلى جانب كتب سيرة، وشهادات، ودواوين شعرية، وكتب أدبية أخرى، ما يعني ضياع رصيد معرفي ضخم في خضم عجلة الزمن، من الضروري التنقيب عنه والعمل على إحيائه.

أخبار حديثة

05فبراير
دار الساقي تحجب جائزة مي غصوب للرواية 2026

دار الساقي تحجب جائزة مي غصوب للرواية 2026

أعلنت دار الساقي حجب جائزة مي غصوب للرواية في دورتها الرابعة لعام 2026، في قرار يعكس التزامها الصارم بمعاييرها الأدبية والفنية، ويؤكّد رؤيتها للجائزة بوصفها مساحة لاكتشاف الأصوات الروائية الجديدة ومنحها فرصة الظهور الأول بشروط إبداعية راسخة. وتمنح الجائزة للكُتّاب الذين لم يسبق لهم نشر أي عمل أدبي، وتقوم فلسفتها على تشجيع البدايات الجادّة، لا […]

05فبراير
الإعلان عن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026

الإعلان عن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية عن قائمتها القصيرة في دورتها التاسعة عشرة لعام 2026، كاشفة عن ستة نصوص روائية تمثّل طيفاً واسعاً من التجارب والأسئلة السردية. وتضم القائمة: “أصل الأنواع” لأحمد عبد اللطيف، و”منام القيلولة” لأمين الزاوي، و”فوق رأسي سحابة” لدعاء إبراهيم، و”أُغالب مجرى النهر” لسعيد خطيبي، و”الرائي” لضياء جبيلي، و”غيبة مَي” لنجوى بركات.   […]

05فبراير
يواخيم كوفمان رئيسًا تنفيذيًا لمعرض فرانكفورت للكتاب

يواخيم كوفمان رئيسًا تنفيذيًا لمعرض فرانكفورت للكتاب

أعلنت إدارة معرض فرانكفورت للكتاب عن تعيين يواخيم كوفمان رئيساً تنفيذياً جديداً للمعرض، على أن يتولى مهامه رسمياً اعتباراً من الأول من سبتمبر 2026، وذلك عقب اختتام دورة المعرض لهذا العام، المقررة في الفترة من 7 إلى 11 أكتوبر. ويخلف كوفمان في هذا المنصب يورغن بوس، الذي قاد المعرض منذ عام 2005، وأسهم على مدى […]

Related Posts

ما بعد 2025.. كيف تستعد صناعة النشر لعام جديد؟

ما بعد 2025.. كيف تستعد صناعة النشر لعام جديد؟

مع نهاية عام 2025، تقف صناعة النشر عند لحظة تأمّل ومراجعة، لا بوصفها قطاعاً تقليدياً ثابتاً، بل منظومة ثقافية واقتصادية تتشكّل على إيقاع تحوّلات القراءة وأنماط استهلاك المعرفة. فالتحوّلات التي شهدها هذا العام لا تُعبّر عن قطيعة مع الكتاب، بل عن إعادة تعريف متأنّية...

في ذكرى ميلاده: كيف يقرأ الجيل الجديد جبران اليوم؟

في ذكرى ميلاده: كيف يقرأ الجيل الجديد جبران اليوم؟

بالتزامن مع ذكرى ميلاده في السادس من يناير، يعود اسم جبران خليل جبران إلى الأضواء، لا بوصفه كاتباً يُقرأ ضمن تجربة متكاملة، بل كحضور متجدّد في الفضاء الرقمي، فهو حاضر بقوّة اليوم، لكن حضوره يختلف جذرياً عمّا عرفه قرّاء القرن العشرين، إذ لم يعد يُستدعى عبر الكتب وحدها،...

كيف يصل الأدب العربي إلى العالم

كيف يصل الأدب العربي إلى العالم

أصبحت الترجمة اليوم جزءاً من حركة ثقافية عالمية تبحث عن أصوات جديدة تحمل رؤى مختلفة. ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: لماذا ينجح بعض الكُتّاب العرب في الوصول إلى القرّاء الدوليين بينما يظل آخرون في حدود اللغة الأولى؟ الإجابة تتجاوز جودة النصوص نفسها، إذ تتقاطع عند شبكة...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this