من كتاب داخل علبة إلى كتيّبات يختار القارئ ترتيبها، ابتكرت الكاتبة الكندية آن كارسون أشكالاً غير مألوفة لأعمالها، جعلت طريقة قراءتها جزءاً من التجربة الأدبية. ومع فوزها بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، تبرز خصوصية مشروع يتجاوز المزج بين الشعر والنثر والترجمة إلى الاشتغال على هيئة الكتاب نفسه. فالصور والرسائل والرسوم تجد مكانها بين الكلمات، وتمنح القارئ وسائل إضافية للاقتراب من موضوعاتها، من الذاكرة والفقد إلى استعادة نصوص كُتبت قبل قرون طويلة.
في “نوكس” Nox، تنطلق هذه التجربة من فقد شقيقها، إذ صنعت كارسون بيديها كتاباً جمعت فيه صوراً عائلية ورسائل قديمة وقصاصات ورسومات ونصوصاً شعرية، ثم نُشر في نسخة تحاكي الأصل، بصفحات مطوية على هيئة أكورديون. ويتداخل رثاؤها الشخصي مع ترجمتها قصيدة للشاعر الروماني كاتولوس في رثاء أخيه، فتلتقي تجربتان يفصل بينهما زمن طويل. ويمكن قراءة هذا الجمع بين الوثائق والشعر بوصفه محاولة لاستعادة ملامح الغائب من آثاره، وما بقي من كلماته وصوره في ذاكرة العائلة.
أما “فلوت” Float، الصادر عام 2016، فيمنح القارئ دوراً مختلفاً عبر مجموعة كتيّبات منفصلة داخل حافظة شفافة، يمكن قراءتها بأي ترتيب. تتناول النصوص الأسطورة والذاكرة والجمال والفقد، وتتنوّع أصواتها وأزمنتها وأشكالها، بينما يبقى مسار التنقل بينها مفتوحاً. إذ يستطيع القارئ اختيار ما يبدأ به وما يعود إليه لاحقاً، فتتغيّر النصوص المتجاورة مع كل ترتيب جديد. وبذلك، يتيح تصميم العمل أكثر من مدخل للقراءة، ويمنح كل كتيب استقلاله، مع إبقائه جزءاً من المجموعة التي تضمه.
ويمتد التجريب إلى “أنتيغونيك” Antigonick، وهو ترجمة لمأساة “أنتيغونا” لسوفوكليس. ففي النسخة المصوّرة، كُتبت المقاطع يدوياً بالحبر بمشاركة روبرت كوري، وقدمت الفنانة بيانكا ستون رسوماً على أوراق شبه شفافة تتراكب مع النص. ومع تقليب الصفحات، تتبدل العلاقة البصرية بين الكلمات والرسوم، ويكتسب اللقاء مع المسرحية القديمة بُعداً يتصل بطريقة رؤيتها على الورق. ويقدّم هذا التعاون نموذجاً للترجمة بوصفها عملاً يمكن أن يجمع الكاتب والفنان والمصمم، وأن يصل إلى القراء عبر اللغة والصورة معاً.
وتستند هذه المغامرات الفنية إلى معرفة أكاديمية واسعة، فقد درّست كارسون الأدب الكلاسيكي لأكثر من ثلاثة عقود، وترجمت أعمالاً لسافو وسوفوكليس ويوربيديس وغيرهم. ويشكّل حضور هؤلاء الكُتّاب في أعمالها مجالاً لتجريب صيغ جديدة، تضع النصوص القديمة في صلة بأسئلة وتجارب معاصرة. وهو ما أضاءت عليه الأكاديمية السويدية عند إعلان فوزها في الثامن من أكتوبر 2026، مشيدة بجرأة منجزها وابتكاره، وبحوارها مع التراث الكلاسيكي الذي أفضى إلى استحداث أشكال جديدة في الأدب المعاصر.



