يكفي أحياناً أن تظهر عبارة “الأكثر مبيعاً” على غلاف كتاب حتى تبدو كأنها حكم نهائي على نجاحه، فهي عبارة تختصر آلاف القراء وتضع الكتاب في مقدمة المشهد. لكن خلفها قصة أكثر تعقيداً: الأكثر مبيعاً أين؟ وخلال أي فترة؟ وضمن أي فئة؟ فلا يوجد مقياس عالمي واحد يمنح الكتب هذه الصفة، بل قوائم متعددة، لكل منها سوقها ومصادر بياناتها وقواعدها الخاصة. لذلك، قد يتصدّر كتاب قائمة بعينها، ولا يظهر أصلاً في قائمة أخرى.
وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تجمع شركة “سيركانا” المتخصصة في رصد سوق الكتب بيانات المبيعات مباشرة من عدد كبير من المكتبات وتجار التجزئة، وتقول إن بياناتها تغطي نحو 85 في المئة من مبيعات الكتب الورقية التجارية في السوق الأميركية. وتعتمد مجلة “بابليشرز ويكلي” هذه البيانات في إعداد قوائمها، وتنشر في بعض الحالات أعداد النسخ المباعة خلال الأسبوع. أما صحيفة “نيويورك تايمز” فتعتمد على بيانات مبيعات تصلها من شبكة واسعة من منافذ البيع، لكنها لا تكشف بالتفصيل عن المعادلة التي تستخدمها لترتيب الكتب، ما يعني أن قائمتها مؤشر للمبيعات وفق منهجية خاصة، وليست تعداداً شاملاً لكل نسخة بيعت في البلاد.
وتختلف الصورة على “أمازون”، فترتيب الكتاب هناك لا يعني بالضرورة أنه الأكثر مبيعاً في سوق الكتب بأكمله، بل يعبّر عن أدائه مقارنة بالكتب الأخرى المباعة عبر المنصة. وتوضح “أمازون” أن المبيعات الحديثة تحظى بوزن أكبر من المبيعات الأقدم، وأن ترتيب الكتاب نسبي ويتأثر أيضاً بأداء الكتب المنافسة. وقد يحتل كتاب المركز الأول داخل تصنيف فرعي ضيق، وهو ما يفسر ظهور وصف “الأول مبيعاً على أمازون” على بعض الكتب، من دون أن يعني ذلك أنها باعت أعداداً ضخمة على مستوى سوق الكتاب ككل.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون القائمة دقيقة، لكن الطريقة التي نفهم بها نتيجتها ليست دقيقة دائماً. فتصدّر كتاب للمبيعات خلال أسبوع لا يعني أنه الكتاب الأعلى مبيعاً طوال العام، كما أن القفزة الكبيرة في أيام الإصدار الأولى تختلف عن نجاح يستمر لأشهر أو سنوات. وتشير دراسات تناولت حركة الكتب في قوائم “نيويورك تايمز” إلى أن عدداً ملحوظاً من العناوين لا يبقى في القائمة سوى فترة قصيرة، وأن المبيعات غالباً ما ترتفع سريعاً بعد الإصدار قبل أن تبدأ في التراجع. وبذلك قد تصف عبارة “الأكثر مبيعاً” لحظة قوية في حياة الكتاب، لا مجمل مسيرته التجارية.
وتزداد المسألة تعقيداً مع الطلبات المسبقة والمشتريات الجماعية والحملات الترويجية المكثفة. فتجميع عدد كبير من المبيعات خلال فترة قصيرة قد يمنح الكتاب دفعة قوية في بعض القوائم، ولهذا تعتمد جهات عدة آليات لرصد أنماط الشراء غير المعتادة. وتشير “نيويورك تايمز”، على سبيل المثال، بعلامة خاصة إلى بعض الكتب عندما تكون المشتريات الجماعية أو المؤسسية جزءاً مهماً من البيانات التي سجلتها. ولا يعني ذلك أن قوائم الأكثر مبيعاً غير حقيقية، بل إنها نتائج إحصائية وتحريرية يجب فهم منهجية إعدادها قبل التعامل معها بوصفها حقيقة مطلقة عن السوق.
وفي سوق الكتاب العربي يصبح هذا السؤال أكثر أهمية، في ظل غياب منظومة موحدة وشاملة لرصد مبيعات الكتب في معظم الأسواق العربية، ومحدودية البيانات المنشورة عن أعداد النسخ المباعة. لذلك، عندما يوصف كتاب بأنه “الأكثر مبيعاً”، يبقى السؤال ضرورياً: الأكثر مبيعاً لدى أي مكتبة أو منصة؟ وفي أي دولة؟ وخلال أسبوع أم شهر أم عام؟ وهل يستند الترتيب إلى عدد النسخ أم إلى قيمة المبيعات؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تمنح العبارة معناها الحقيقي.
ويجب الإشارة إلى أن قوائم الأكثر مبيعاً لا تخبرنا عن أي الكتب أفضل أدباً، ولا أيها سيبقى أطول في ذاكرة القراء، بل تخبرنا بما كان الناس يشترونه بكثافة ضمن سوق وفترة ومنهجية محددة. ولهذا، ربما تكون الطريقة الأدق لقراءة عبارة “الأكثر مبيعاً” ألا نتعامل معها كنهاية القصة، بل كبدايتها: أي قائمة؟ وأي سوق؟ وخلال أي فترة؟ وكم نسخة بيعت فعلاً؟ عندها فقط تتحوّل العبارة من شارة تسويقية مهمة إلى رقم يمكن فهم دلالته الحقيقية.



