في المشهد الثقافي المعاصر، حيث تتقاطع الفنون وتتداخل أشكال السرد، تبرز سينما عقيل في دبي، بوصفها مساحة تشبه المكتبة أكثر مما تشبه دار عرض تقليدية. فهي لا تقدّم الأفلام كمنتج ترفيهي عابر، بل باعتبارها نصوصاً بصرية تُقرأ ببطء، وتُفكك طبقاتها كما تُفكك الروايات العميقة. ففي عالم تُهيمن عليه السرديات السريعة، تراهن سينما عقيل على الصبر، وعلى المتلقي القارئ الذي يبحث عن المعنى، لا عن الاستهلاك.
تشبه عروض سينما عقيل فهرساً أدبياً متنوّعاً، إذ تقدم أفلاماً تنتمي إلى سينما المؤلف، وأعمالاً مستقلة تُعلي من شأن الإنسان، وتمنح التفاصيل اليومية، والهشاشة، والأسئلة الوجودية مكانتها المركزية. فهنا، لا تُروى الحكاية بالصوت فقط، بل بالصمت، وبالفراغ، وباللقطة التي تترك أثراً يشبه أثر جملة أدبية محكمة. وكما تفعل الرواية الجيّدة، لا تقدّم هذه الأفلام أجوبة جاهزة، بل تفتح مساحات للتأمل وإعادة التفكير في العالم.
ومن هذا المنطلق، تبدو مشاركة سينما عقيل في أمسيات “سينما ونكهات” التي أطلقها بيت اللّوال في الشارقة امتداداً طبيعياً لفلسفتها الثقافية. فالتجربة لا تجمع بين السينما والطعام فحسب، بل بين السرد والذائقة، أو بين الحكاية والمكان، وبين الصورة والذاكرة. ففي فناء هذا البيت التراثي، تُشاهد الأفلام كما لو كانت تُقرأ في هوامش التاريخ، حيث يصبح الزمن جزءاً من النص، والمكان شريكاً في الحكاية، تماماً كما تفعل المدن في الروايات الكبرى.
تؤمن بثينة كاظم، مؤسسة سينما عقيل، بأن السينما قادرة على توسيع أفق الإنسان، وهي رؤية تتقاطع بعمق مع فلسفة القراءة نفسها. فكما تغيّرنا الكتب التي نحبها، تفعل هذه الأفلام الشيء ذاته، إذ تُعيد تشكيل وعينا، وتمنحنا لغة جديدة لفهم الآخر، وتُذكّرنا بأن السرد، مهما اختلفت وسائطه، يظل فعلاً إنسانياً واحداً. وبذلك لا تقف سينما عقيل على هامش الثقافة الأدبية، بل تحتل موقعها في قلبها، كجسر حيّ بين الكتاب والصورة، وبين القارئ والمشاهد.



