Home 5 مقالات و تقارير 5 الناشر العربي والمحرر الأدبي – مقال بقلم الروائي طالب الرفاعي

الناشر العربي والمحرر الأدبي – مقال بقلم الروائي طالب الرفاعي

بواسطة | يونيو 4, 2017 | مقالات و تقارير

بدأت نشر قصصي القصيرة في منتصف السبعينات، وخلال ما يزيد على العقود الثلاث كان دور المحرر الأدبي، سواء في الصحافة أو دور النشر، لا يتجاوز في أفضل أحواله دور المصحح اللغوي. لكن، ما إن شاركتُ عام 2012 في “برنامج الكتابة الإبداعية العالمي-International Writing Program” في جامعة “أيوا -The University of Iowa” الأمريكية، ولاحقاً طوال سنوات دراستي العليا لتخصص الكتابة الإبداعية في جامعة “كنغستون لندن-Kingston University London”، حتى انكشفت على أهمية دور المحرر بشكل عام، والمحرر الأدبي بشكل خاص.

يحتل المحرر الأدبي لدى الناشر الغربي، والأمريكي، والياباني مرتبة مهمة، فهو صلة الدار بإبداع الكاتب من جهة، وهو عين وبوصلة الناشر لما يحتاجه سوق النشر من جهة ثانية، ولأن مهمته بالغة الدقة والأهمية، فأن المحرر الأدبي، ليس مصححاً لغوياً، لكنه إلى جانب إلمامه التام بأصول اللغة نحواً وصرفاً، فأنه مُلم بعوالم وأسس الجنس الأدبي الذي يعمل به، سواء كان مسرحاً أو شعراً أو قصة قصيرة أو رواية، وأخيراً هو خبير بسوق النشر وذائقة القارئ، ولأنه يمارس جميع هذه المهام وغيرها، فان له مكانة مرموقة على مستوى السلم الوظيفي أو المردود المالي.

سوق تجارة الكتاب في الغرب وأمريكا سوق كبيرة ومتنوعة ورائجة، تخوض في منافسة شديدة، وبغية الصمود فان دور النشر الكبيرة -وبناء على معطيات عصرنا الراهن، من مواقع شبكة الإنترنت، ومحركات بحث، ومواقع تواصل اجتماعي- أصبحت شركات تجارية كبرى عابرة للقارات، يشكّل العمل الإبداعي مادة لصناعتها، ولذا تتفنن في إتقان صنعته وتلميعه وتقديمه للقارئ كأجمل ما يكون.

المتابع لأمر الكتاب العربي، وبالرغم من الظرف العسير والمؤلم والدامي الذي تعيشه بعض الأقطار العربية، منذ ما اتُفق على تسميته بـ “الربيع العربي” يجد أن صناعة الكتاب تعيش انتعاشاً واضحاً، وليس أدل من حركة ومبيعات معارض الكتب العربية، بانتقال الناشر العربي من مدينة عربية إلى أخرى، للمشاركة فيما يزيد على واحد وعشرين معرضاً دولياً خلافاً للمعارض الأصغر التي لا تكاد تنقطع عن الانعقاد بين مكان وآخر.

معارض الكتب العربية الدولية صارت تنعقد بانتظام. طبيعة الورق والحرف والإخراج صار أفضل. زاد توزيع الكتاب العربي، وانتعشت كثيراً الجوائز الأدبية العربية ومعها أنعش المشهد الإبداعي والثقافي العربي، لكن الناشر العربي ظل بخيلاً حد العوز في التعاون، وتوظيف المحرر الأدبي المختص، والايعاز إليه ليقوم بدوره المحوري كما هو زميلة المحرر الأدبي الأجنبي.

تمرّ الكتابة الإبداعية بمراحل كثيرة؛ بدءاً بلمعة وتقليب الفكرة، عبوراً بالكتابة، وانتهاءً بالمراجعة. هذه المراحل تخصّ الكاتب وحده، لكن ما إن يصل إلى قناعته بإنجاز كتابه والدفع به إلى دار النشر، حتى تبدأ مرحلة جديدة بطلها المحرر الأدبي.

المحرر الأدبي الذي تتعدد مراحل علاقته بالنص الإبداعي، فالبداية تكون بتصحيح القواعد والإملاء وعلامات التنقيط والترقيم، فذائقة القارئ الغربي وخبرته الطويلة في القراءة، تحتّم على المحرر/الناشر أن يحترم هذه الذائقة وتلك الخبرة، وأن يقدّم له كتاباً خالياً من أي أخطاء إملائية ونحوية، وأن يكون -وفق نمط كتابه- يحافظ تماماً على جميع علامات التنقيط والترقيم بوصفها جزءاً أساسياً لا يتجزأ من النص الإبداعي.

بعد الانتهاء من هذه المرحلة تأتي المرحلة الثانية والتي تقوم على موازنة الوصف، والحوار في العمل الإبداعي وتحديداً في الرواية، فالكتاب الإبداعي يجب أن يحافظ على “سرعة تدفق-Pacing” حيويّة في مختلف المشاهد، فلا يصح أن يمرّ مشهد حيويٌّ وسريعٌ ولاهثٌ، ويعقبه مشهد هادئٌ وخالٍ من الإثارة، ولا يكاد يتحرك، مما يبعث الملل في نفسية المتلقي.

إن موازنة الوصف والحوار هو ما يضمن سرعة تدفق مبدعة قادرة على تشويق القارئ والاستحواذ على اهتمامه.

المرحلة الثالثة والنهائية من مراحل عمل المحرر الأدبي، تأتي فيما يسمى بالرسالة الكليّة للعمل، أو “The Message”، وهي قراءة متأنية يقوم بها المحرر الأدبي للعمل كقطعة فنية متجانسة، وذلك للوصول إلى الرسالة/ المبتغى الذي أراد  الكاتب إيصاله إلى القارئ.

إن المحرر الأدبي إذ يقوم بالمرحلة الأولى لوحده، فأنه يشرك الكاتب في المرحلتين الثانية والثالثة، ويقوم بينهما حوار، ونقاش يوازن بين تجويد الإبداع وبين التأكيد على إيصال الكتاب بصيغة لافتة يتقبّلها القارئ ويُقبل عليها.

هناك كتّاب في الغرب يحرصون على إجراء كل التغيرات، وآخرون لا يلتفتون إلى الكتاب متى ما وصل إلى الناشر، وبين هذا وذاك يبقى الكاتب العربي وحيداً في مواجهة بخل وتقاعس الناشر العربي من جهة، وبين ذائقة جمهور التلقي المتطلّبة من جهة ثانية.

إن بعض الكتب، وتحديداً كتب الشباب بتجاربهم الغضة، وبالنظر إلى ما فيها من أخطاء لغوية ونحوية تفضح وتسيء للناشر أكثر بكثير مما تسيء للكاتب نفسه، فمتى يلتفت الناشر العربي إلى تجويد سلعته الأدبية بما يليق بالمبدع والناشر والقارئ؟

أخبار حديثة

10سبتمبر
هل تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود حقوق المؤلف؟

هل تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود حقوق المؤلف؟

رفعت دار النشر الألمانية “كارلسن فيرلاج”، بدعم من مجموعة “بونييه” للنشر، دعوى قضائية ضد شركة “أوبن إيه آي أيرلندا” أمام المحكمة الإقليمية في ميونيخ، بالاشتراك مع الكاتب مارك-أوفه كلينغ والرسامة أستريد هين. وتتمحور الدعوى حول سلسلة كتب الأطفال الشهيرة “داس ناينهورن”، إذ يرى المدعون أن نصوصها ورسومها المحمية بحقوق المؤلف استُخدمت بصورة غير مشروعة في […]

09سبتمبر
هل نفهم المال حقاً؟ دار “الساقي” تجيب باللغة العربية

هل نفهم المال حقاً؟ دار “الساقي” تجيب باللغة العربية

صدر حديثاً عن دار الساقي كتاب “10 أمور يحتاج كل منا أن يعرفها عن المال” للكاتبة ليندا دايفيز، بترجمة ريم طويل. ويقدّم الكتاب، الصادر في 208 صفحات، مدخلاً مبسّطاً إلى عالم المال، انطلاقاً من كيفية نشأته وعمل الأنظمة المالية، وصولاً إلى أثر القرارات الاقتصادية في الحياة اليومية.   ويتناول الكتاب أساليب الادخار والاستثمار المدروس وبناء […]

08سبتمبر
البرازيل تريد لكتبها أن تُقرأ عالمياً

البرازيل تريد لكتبها أن تُقرأ عالمياً

أعلنت مؤسسة المكتبة الوطنية البرازيلية عن فتح باب التقديم أمام دور النشر الأجنبية الراغبة بترجمة ونشر أعمال لمؤلفين برازيليين في الأسواق الدولية، ضمن برنامجها لدعم انتشار الأدب البرازيلي عالمياً. ويستقبل البرنامج طلبات المشاريع حتى 13 سبتمبر 2026، على أن تكون الأعمال المرشحة قد سبق نشرها في البرازيل، فيما تخضع الطلبات لمرحلتين من التقييم قبل اعتماد […]

Related Posts

ماذا تخفي عبارة «الأكثر مبيعاً»؟

ماذا تخفي عبارة «الأكثر مبيعاً»؟

يكفي أحياناً أن تظهر عبارة "الأكثر مبيعاً" على غلاف كتاب حتى تبدو كأنها حكم نهائي على نجاحه، فهي عبارة تختصر آلاف القراء وتضع الكتاب في مقدمة المشهد. لكن خلفها قصة أكثر تعقيداً: الأكثر مبيعاً أين؟ وخلال أي فترة؟ وضمن أي فئة؟ فلا يوجد مقياس عالمي واحد يمنح الكتب هذه...

هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

هل دخل بورخيس المتاهة الرقمية قبلنا؟

في الرابع والعشرين من أغسطس 1899، ولد في العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، كاتب سيقضي حياته بين الكتب والمتاهات والمرايا والأسئلة التي لا تنتهي. لم يعرف خورخي لويس بورخيس الإنترنت، ولم يرَ شاشة هاتف ذكي أو محرك بحث، لكنه تخيّل قبل عقود عالماً تبدو ملامحه اليوم مألوفة...

ماري شيلي طرحت سؤال الذكاء الاصطناعي أولاً

ماري شيلي طرحت سؤال الذكاء الاصطناعي أولاً

في الثلاثين من أغسطس 1797، وُلدت في لندن ماري شيلي، الكاتبة التي ستمنح الأدب واحداً من أكثر مخلوقاته شهرة في التاريخ: "فرانكنشتاين". كانت في الثامنة عشرة فقط عندما بدأت كتابة الرواية، ولم تكن تعرف أنها تضع بين صفحاتها سؤالاً سيبقى حيّاً لأكثر من قرنين: ماذا يحدث عندما...

Previous Next
Close
Test Caption
Test Description goes like this